بقلم المستشار علي القدومي
تواجه وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود انتقادات حادة بعد أن خلت أحدث تعديلات قواعد الهجرة، المنشورة في 3 سبتمبر/أيلول 2026، من مشروع رفع المدة الأساسية المؤهلة للإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى عشر سنوات.
لكن قبل اتهام الحكومة بإلغاء المشروع أو «التراجع خوفاً من الضغوط»، يجب التمييز بين ثلاثة أمور: الإعلان السياسي، والمشاورات الحكومية، والقواعد القانونية النافذة.
فكرة رفع مدة الإقامة لم تُعلن لأول مرة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي كما ورد في بعض التقارير، بل ظهرت أساساً في الورقة البيضاء الحكومية المنشورة في مايو/أيار 2025. ثم قدمت وزيرة الداخلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تفاصيل مشروع «الإقامة المكتسبة»، وفتحت بشأنه مشاورات عامة استمرت حتى 12 فبراير/شباط 2026.
كان المقترح يقوم على جعل عشر سنوات هي المدة الأساسية لمعظم المتقدمين، مع إمكان تخفيضها لمن يثبت مساهمة اقتصادية أو اجتماعية مميزة، أو زيادتها في حالات أخرى. كما طرحت الحكومة مدة قد تصل إلى 15 سنة لبعض العاملين في وظائف دون مستوى RQF6، ومدداً أطول لفئات أخرى.
ومع ذلك، وحتى تاريخ كتابة هذا التعليق، لم تنشر وزارة الداخلية ردها النهائي على نتائج المشاورات، ولم تقدم التعديلات القانونية اللازمة لتنفيذ نظام الإقامة المكتسبة. كذلك لم يتضمن بيان تعديل قواعد الهجرة الصادر في 3 سبتمبر/أيلول 2026 أي نص عام يرفع مدة الخمس سنوات إلى عشر سنوات.
إذن، هل فشلت الحكومة؟
الإجابة الدقيقة هي: الحكومة لم تعلن رسمياً إلغاء المشروع، لكنها أخفقت حتى الآن في تحويل إعلان سياسي كبير إلى قواعد قانونية قابلة للتطبيق، كما أخفقت في تقديم جدول زمني واضح للجمهور.
غياب الإصلاح عن أحدث تعديلات الهجرة لا يثبت وحده أن المشروع قد دُفن نهائياً؛ فقد تصدر تعديلات مستقلة في وقت لاحق. لكنه يكشف بالتأكيد عن تأخير سياسي وتشريعي واضح، خصوصاً أن المشاورات أُغلقت منذ نحو سبعة أشهر، بينما اكتفت الحكومة بالقول إن ملخص الردود والقرارات النهائية سيُنشران «في الوقت المناسب».
أما الرقم المتداول عن منح الإقامة الدائمة لأكثر من 1,100 شخص في كل يوم عمل، فهو صحيح حسابياً بالنسبة إلى الربع الممتد من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2026، حين مُنحت الإقامة الدائمة لنحو 73,775 شخصاً. لكنه ليس المتوسط اليومي للسنة كلها، ولذلك فإن استخدامه وكأنه معدل ثابت ودائم يحتاج إلى توضيح.
وتشير الأرقام الرسمية إلى منح 199,628 حالة إقامة دائمة خلال السنة المنتهية في يونيو/حزيران 2026، بارتفاع نسبته 24% عن السنة السابقة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2011. وكان من أبرز أسباب الزيادة وصول أعداد كبيرة من حملة تأشيرات العمل ومسار مواطني هونغ كونغ البريطانيين BN(O) إلى نهاية المدة القانونية المطلوبة للإقامة.
وهنا يجب التأكيد على نقطة أساسية: هؤلاء لم يحصلوا على الإقامة الدائمة نتيجة تجاهل الحكومة للقانون أو فتح باب استثنائي جديد، بل قُبلت طلباتهم وفق القواعد القانونية النافذة التي ما زالت، في عدد من المسارات، تمنح حق التقدم بعد خمس سنوات. ولا تستطيع وزارة الداخلية رفض شخص استوفى الشروط الحالية لمجرد وجود خطة حكومية مستقبلية لتغييرها.
كما أن الإقامة الدائمة القانونية تختلف تماماً عن الدخول غير النظامي وعبور القوارب. الخلط بين الملفين قد يخدم الخطاب السياسي، لكنه لا يقدم صورة قانونية صحيحة. غالبية هذه القرارات تخص أشخاصاً عاشوا وعملوا بصورة قانونية، ودفعوا الضرائب، وأكملوا المدة والشروط المقررة.
المشكلة الحقيقية ليست في التزام وزارة الداخلية بالقواعد الحالية، بل في الفجوة بين قوة الخطاب الحكومي وبطء التنفيذ. فمن غير المقبول الإعلان عن تغييرات مصيرية تؤثر في حياة مئات الآلاف من الأسر والعاملين وأصحاب الأعمال، ثم ترك الجميع شهوراً طويلة من دون معرفة موعد التطبيق، أو الأحكام الانتقالية، أو ما إذا كانت القواعد الجديدة ستشمل الموجودين بالفعل على طريق الإقامة الدائمة.
وعليه، لا يمكن الجزم حتى الآن بأن الحكومة تخلت نهائياً عن رفع المدة إلى عشر سنوات. لكن يمكن القول بثقة إنها فشلت حتى الآن في تنفيذ وعدها ضمن الإطار الزمني الذي كان يوحي به خطابها السياسي، وفشلت في توفير الوضوح واليقين القانوني اللازمين.
الحكم النهائي سيكون عند نشر رد الحكومة على المشاورات وطرح القواعد الفعلية. وحتى ذلك الحين، تظل مدة الخمس سنوات قائمة في المسارات التي تنص عليها القواعد الحالية، وتبقى كل الأحاديث عن تطبيق عشر سنوات مجرد مقترحات سياسية غير نافذة.
الخلاصة: الحكومة لم تسحب المشروع رسمياً، لكنها تأخرت في تنفيذه، وغيابه عن أحدث تعديل للقواعد يمثل إخفاقاً سياسياً واضحاً في الوفاء بالوعود حتى الآن، وليس دليلاً قانونياً نهائياً على إلغاء الإصلاح.