بقلم المستشار علي القدومي
تواجه الحكومة البريطانية ضغوطًا متزايدة من النقابات العمالية وبعض نواب حزب العمال لإعادة النظر في خطتها المثيرة للجدل لتشديد شروط الحصول على الإقامة الدائمة، وسط تحذيرات من أن تطبيقها على المهاجرين الموجودين بالفعل في البلاد قد يشكّل إخلالًا واضحًا بالوعود التي استندوا إليها عند اتخاذ قرار العمل والاستقرار في بريطانيا.
المقترحات الحكومية، المعروفة باسم نظام «الإقامة المكتسبة» Earned Settlement، تنطلق من رفع المدة الأساسية المؤهلة للإقامة الدائمة لمعظم المهاجرين من خمس إلى عشر سنوات. إلا أن هذه المدة قد ترتفع إلى 15 سنة بالنسبة إلى العاملين في وظائف الرعاية الاجتماعية وبعض المهن المصنفة ضمن المستويات المهارية المتوسطة، وقد تصل إلى 20 سنة في حالات معينة، من بينها الاعتماد المطوّل على الإعانات الحكومية.
غير أن أخطر ما في الخطة ليس طول المدة وحده، بل احتمال تطبيق القواعد الجديدة على أشخاص يعيشون ويعملون بالفعل في المملكة المتحدة، بمن فيهم من اقتربوا من إكمال السنوات الخمس وكانوا يتوقعون التقدم للإقامة الدائمة خلال أشهر قليلة.
تغيير القواعد في منتصف الطريق
بالنسبة إلى النقابات، القضية تتجاوز السياسة التقليدية بشأن أعداد المهاجرين. فهي تتعلق بمبدأ أساسي من مبادئ العدالة: هل يجوز للدولة أن تستقدم عاملًا على أساس طريق واضح مدته خمس سنوات، ثم تغيّر شروط هذا الطريق قبل وصوله إلى نهايته؟
آلاف العاملين الأجانب انتقلوا إلى بريطانيا مع عائلاتهم، وشغلوا وظائف تعاني أصلًا من نقص حاد، ودفعوا الضرائب والتأمين الوطني ورسوم التأشيرات والتأمين الصحي. كما اتخذ كثير منهم قرارات مصيرية، مثل بيع ممتلكاتهم في بلدانهم، وتعليم أطفالهم في المدارس البريطانية، وبناء مستقبلهم المهني والأسري على أساس أن الإقامة الدائمة ستكون متاحة بعد خمس سنوات إذا التزموا بالقانون وشروط التأشيرة.
إن مطالبة هؤلاء، بعد مرور ثلاث أو أربع سنوات، بالانتظار عشر سنوات إضافية لا تبدو مجرد تعديل إداري؛ بل تغييرًا جذريًا للعقد المعنوي الذي قام عليه وجودهم في بريطانيا.
من يعتني بالمرضى قد ينتظر 15 عامًا
المفارقة الأكثر إثارة للجدل أن بعض المتضررين هم أنفسهم الذين تعتمد عليهم الخدمات العامة البريطانية.
فالعاملون في الرعاية الاجتماعية، وبعض العاملين الصحيين في الوظائف المصنفة مهاريًا ضمن المستويات المتوسطة، قد يواجهون فترة أساسية تصل إلى 15 عامًا قبل التأهل للإقامة الدائمة. وهؤلاء يعمل كثير منهم بأجور محدودة وفي ظروف مرهقة، ويقدمون الرعاية لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.
ومن المهم التوضيح أن مدة الـ15 عامًا لا تعني بالضرورة جميع العاملين الأجانب في القطاع الصحي؛ فقد يختلف الوضع بالنسبة إلى الأطباء والممرضين وغيرهم وفق مستوى الوظيفة والدخل والقواعد النهائية. لكن العاملين في الرعاية الاجتماعية يظلون من أكثر الفئات عرضة للتضرر من المقترحات الحالية.
نقابة يونيسون UNISON ترى أن هؤلاء العمال قَدِموا إلى بريطانيا بناءً على وعد واضح بإمكانية الاستقرار بعد خمس سنوات. ولذلك تعتبر تمديد المدة عليهم بعد وصولهم وتأسيس حياتهم تغييرًا للقواعد في منتصف الطريق، وتهديدًا لقدرة قطاع الرعاية على الاحتفاظ بالموظفين ذوي الخبرة.
المشكلة لا تقتصر على العامل نفسه؛ فكل سنة إضافية من الإقامة المؤقتة تعني استمرار رسوم التأشيرات، وتجديد الإقامة، وربط العامل بصاحب العمل الراعي، وعدم الاستقرار بالنسبة إلى الزوج أو الزوجة والأطفال. وقد يزيد ذلك أيضًا من قابلية العمال للاستغلال والخوف من الاعتراض على ظروف العمل السيئة.
النقابات تتحرك بصوت واحد
أقر مؤتمر النقابات العمالية البريطانية TUC اقتراحًا يدعو إلى سحب التغييرات المقترحة، والمحافظة على طريق السنوات الخمس، وعدم تطبيق أي تعديل بأثر يشمل العمال الموجودين بالفعل في المملكة المتحدة.
ويؤكد الاقتراح أن حقوق المهاجرين هي جزء من حقوق العمال، وأن إطالة فترة الإقامة المؤقتة قد تجعل العامل أكثر اعتمادًا على صاحب العمل وأقل قدرة على مواجهة الاستغلال أو تغيير وظيفته.
كما طالبت النقابات بنظام تأشيرات أكثر عدالة في قطاع الرعاية الاجتماعية، يسمح للعامل بتغيير صاحب العمل من دون أن يصبح مهددًا بفقدان إقامته أو الترحيل. فالعامل الذي يخشى خسارة كفيله قد يصمت عن الأجور غير المدفوعة أو ساعات العمل المفرطة أو المعاملة غير العادلة.
هل تتحول الإقامة إلى امتياز للأعلى دخلًا؟
من أبرز الانتقادات الموجهة إلى مفهوم «الإقامة المكتسبة» أنه قد ينشئ نظامًا طبقيًا للاستقرار: فصاحب الدخل المرتفع يستطيع تقصير طريقه، بينما ينتظر العامل الذي يقدم خدمة أساسية بأجر منخفض سنوات أطول.
وبذلك قد يصبح مقدار الراتب، وليس الالتزام بالقانون أو مدة الإقامة أو الاندماج الحقيقي، هو المعيار الحاسم في تحديد من يستحق الشعور بالأمان والانتماء.
هذا يثير سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا مهمًا: هل قيمة المهاجر تقاس فقط بحجم الضريبة التي يدفعها، أم تشمل كذلك طبيعة العمل الذي يؤديه وأثره في المجتمع؟
فعامل الرعاية قد لا يتقاضى راتب موظف في القطاع المالي، لكنه يقدم خدمة لا يمكن للمجتمع الاستغناء عنها. وإذا كانت الدولة نفسها تعتمد على هؤلاء العمال لسد النقص، فمن الصعب إقناعهم بأن عملهم ضروري لبريطانيا، لكنه غير كافٍ لمنحهم طريقًا معقولًا إلى الاستقرار.
الإعانات وفترة العشرين عامًا
تقترح الحكومة أيضًا إضافة سنوات إلى مدة التأهل إذا اعتمد الشخص على الأموال العامة. ووفق التصور المطروح في المشاورة، يمكن أن تؤدي بعض حالات الاعتماد على الإعانات لأكثر من 12 شهرًا إلى إضافة عشر سنوات إلى المدة الأساسية، ما قد يرفع مجموع الانتظار إلى 20 عامًا.
لكن هذا الجانب يحتاج إلى التعامل معه بحذر؛ لأن غالبية حاملي تأشيرات العمل يخضعون أصلًا لشرط «عدم اللجوء إلى الأموال العامة» No Recourse to Public Funds، كما أن بعض المدفوعات لا تُصنف قانونًا ضمن الأموال العامة. لذلك لن يكون مجرد حصول الشخص على أي مساعدة مالية دليلًا تلقائيًا على خضوعه لعقوبة العشرين عامًا؛ فالأمر سيعتمد على نوع المساعدة والقواعد النهائية التي تعتمدها الحكومة.
راينر: لا تغيّروا القواعد أثناء الرحلة
انضمت أنجيلا راينر إلى الأصوات المنتقدة لتطبيق التغييرات على الموجودين بالفعل في بريطانيا، ووصفت هذا النهج بأنه يتعارض مع قيم العدالة البريطانية. ومغزى اعتراضها واضح: يمكن للحكومة أن تضع شروطًا جديدة للقادمين مستقبلًا، لأنهم سيعرفونها قبل اتخاذ قرار الهجرة، لكن تطبيقها على من بدأوا المسار وفق قواعد مختلفة قضية أخرى تمامًا.
وهنا قد يكون الحل السياسي الأكثر واقعية هو وضع ترتيبات انتقالية تحمي من دخلوا بريطانيا قبل تاريخ معين، أو السماح لهم بإكمال طريق السنوات الخمس، مع تطبيق النظام الجديد على القادمين بعد بدء العمل به.
مثل هذا الحل لن يلغي حق الحكومة في إصلاح نظام الهجرة، لكنه سيحمي الثقة في مؤسسات الدولة ويمنع تحميل الأفراد نتائج تغيير لم يكن بإمكانهم توقعه.
الكرة الآن في ملعب الحكومة
قالت وزيرة الداخلية شبانة محمود إن المشاورة العامة تلقت أكثر من 200 ألف رد، وإن الحكومة تدرسها قبل إعلان التفاصيل الفنية والسياسة النهائية. ويعكس هذا العدد الضخم مدى القلق الذي أثارته المقترحات بين المهاجرين وأصحاب العمل والنقابات والمنظمات الحقوقية.
وحتى الآن، تظل هذه الأفكار مقترحات وليست قواعد نافذة. لم تصبح الزيادة إلى عشر أو 15 أو 20 سنة قانونًا نهائيًا، ولم تُحسم بعد الترتيبات الانتقالية أو الطريقة التي ستُعامل بها الطلبات القريبة من موعد الاستحقاق. كما أن من حصل على الإقامة الدائمة بالفعل لن يتأثر بهذه المقترحات.
لكن التأخير في إعلان القرار يترك مئات الآلاف من الأسر في حالة من القلق. فهؤلاء لا يعرفون إن كانوا على بعد أشهر من الاستقرار، أم أنهم سيستيقظون على طريق جديد يمتد لسنوات أخرى.
الحكومة أمام اختبار حقيقي: يمكنها تشديد القواعد المستقبلية، لكنها مطالبة في الوقت نفسه باحترام التوقعات المشروعة لمن دخلوا البلاد وعملوا ودفعوا الضرائب وفق شروط محددة. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تغيير قوانينها، بل بمدى وفائها بكلمتها عندما يبني الناس حياتهم على أساس تلك الكلمة.
وإذا نجحت النقابات في فرض ترتيبات انتقالية تحمي الموجودين بالفعل، فلن يكون ذلك انتصارًا للمهاجرين وحدهم؛ بل انتصارًا لمبدأ بسيط يفهمه كل إنسان: لا يجوز تغيير خط النهاية بعد أن أوشك المتسابق على الوصول إليها.