لندن- عرب لندن
تواصل وزارة الداخلية البريطانية تهديد توني هول، البالغ من العمر 62 عاماً، بالترحيل إلى باربادوس، رغم أنه يعيش في بريطانيا منذ أن قدم إليها طفلاً في الثانية عشرة من عمره عام 1976، ولا يملك أقارب على قيد الحياة في البلد الذي غادره قبل نصف قرن.
وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان، يعيش هول منذ 14 عاماً في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبله، بعدما أبقته وزارة الداخلية على قائمة الترحيل عقب خروجه من السجن عام 2012، ما حرمه من العمل واستئجار مسكن والحصول على المساعدات الاجتماعية، وأجبره على الاعتماد على أفراد عائلته وأصدقائه لتأمين احتياجاته الأساسية.
وتعود القضية إلى إدانة هول عام 2001 بالتآمر لسرقة أموال وحيازة سلاح ناري بقصد استخدامه، بعدما خطط مع آخرين للاستيلاء على أموال من سيارة أمنية تنقل الأموال إلى أحد البنوك. وقضى ثماني سنوات في السجن، قبل أن تنقله السلطات إلى مركز احتجاز تابع للهجرة تمهيداً لترحيله.
وفي كانون الثاني/يناير 2010، أعادت السلطات البريطانية هول إلى باربادوس على متن رحلة جوية، لكنه عاد إلى لندن في اليوم التالي بعدما رفضت سلطات الحدود في الجزيرة السماح له بدخولها، وسط صعوبات تتعلق بوثائق دخوله بعد إقامته الطويلة في بريطانيا.
ومنذ ذلك الحين، لم تنجح محاولاته لإقناع وزارة الداخلية بإلغاء قرار الترحيل، رغم أنه لا يتذكر سوى القليل عن باربادوس، ولا تربطه بها صلات عائلية، فيما فقد أوراقه الشخصية بعدما أُخليت شقته وأُتلفت متعلقاته خلال فترة سجنه، ليجد نفسه عملياً بلا وثائق تثبت وضعه القانوني في أي من البلدين.
ويُلزم هول بمراجعة مركز تابع لوزارة الداخلية كل أسبوعين، في رحلة تستغرق قرابة ساعتين في كل اتجاه، لتسجيل حضوره وإثبات التزامه بالشروط المفروضة عليه. ويقول إنه كرر هذه الزيارات أكثر من 350 مرة، وسط مخاوف دائمة من احتمال احتجازه تمهيداً للترحيل.
وقال هول إنه يشعر بالغضب أحياناً عندما يشرح للموظفين أنه أمضى 50 عاماً في بريطانيا، لكنهم يجيبونه بأن قضيته ليست من اختصاصهم. وأضاف أنه يعترف بالأخطاء التي ارتكبها في شبابه، لكنه يرى أنه قضى عقوبته ويستحق فرصة لبدء حياة جديدة.
ضحية أخرى لتداعيات فضيحة "ويندراش"
تسلط قضية هول الضوء على استمرار المشكلات التي يواجهها بعض أفراد جيل «ويندراش»، وهم مهاجرون قدموا من دول الكاريبي التابعة للكومنولث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأفراد من عائلاتهم، قبل أن يجد كثيرون منهم أنفسهم لاحقاً في مواجهة اتهامات بالإقامة غير القانونية، رغم امتلاكهم حقوقاً في العيش ببريطانيا.
وكانت الفضيحة قد تفجرت على نطاق واسع عام 2018، وأدت إلى استقالة وزيرة الداخلية آنذاك أمبر راد، وسط اعتذارات رسمية وتعهدات بمعالجة الأضرار التي لحقت بالمتضررين.
ومنذ ذلك الحين، حصل أكثر من 18 ألف شخص على وثائق تؤكد حقهم في الإقامة في بريطانيا، فيما دفعت الحكومة نحو 132 مليون جنيه إسترليني تعويضات إلى 4177 شخصاً تضرروا من تصنيفهم خطأً كمخالفين لقوانين الهجرة.
لكن هول لم يستفد من هذه الإجراءات حتى الآن. ووفقاً للصحيفة، فإن وزارة الداخلية تعتبر أن إدانته الجنائية السابقة تُبقي قرار ترحيله سارياً، كما تشير إلى أنه غير مؤهل للنظر في قضيته ضمن برنامج «ويندراش». ويرى محاميه أن ذلك يضعه في حلقة مفرغة، إذ لا يستطيع الاستفادة من البرنامج بسبب قرار الترحيل، بينما يحتاج إلى تدخل لمعالجة وضعه القانوني وإلغاء القرار.
وقال محامي هول، ناغا كاندياه، إن موكله ضحية لفضيحة وزارة الداخلية، وإن قرار ترحيله صدر على أساس خاطئ، مشيراً إلى أن والديه كانا يحملان صفة «مواطنَي المملكة المتحدة ومستعمراتها»، وأن هول نفسه كان يتمتع، بحسب تقديره القانوني، بوضع يمنحه حق الإقامة في البلاد.
وأضاف كاندياه أن القضية لا تتعلق بمجرد أوراق الهجرة، بل برجل أمضى خمسة عقود من حياته في بريطانيا، ومع ذلك يعيش في فقر وحرمان من الاستقرار السكني. ودعا الوزارة إلى إعادة النظر في ملفه وتطبيق الدروس المستفادة من فضيحة «ويندراش».
من جهته، قال مفوض «ويندراش» المستقل، القس كلايف فوستر، إن الأشخاص المتضررين لا ينبغي أن يُتركوا في حالة طويلة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم، محذراً من أن منعهم من العمل والحصول على الدعم وإعادة بناء حياتهم قد يقود إلى الفقر والتشرد.
مخاوف من تشديد قوانين الترحيل
تأتي القضية في وقت تشير فيه الحكومة البريطانية إلى رغبتها في تعديل قانون الهجرة لعام 1971، بما قد يسهّل ترحيل أشخاص عاشوا في البلاد لأكثر من 50 عاماً، في سياق مساعي وزيرة الداخلية شبانة محمود لترحيل شابير أحمد، المدان بارتكاب جرائم مرتبطة بعصابة الاغتصاب في روتشديل، والذي قدم إلى بريطانيا طفلاً عام 1967.
وأثارت هذه التوجهات مخاوف بشأن مدى استقرار الوضع القانوني لأشخاص هاجر آباؤهم إلى بريطانيا، ولا سيما بعد قرار تجريد شميمة بيغوم من جنسيتها البريطانية عام 2019.
كما تتواصل الانتقادات لآلية التعويضات الخاصة بضحايا «ويندراش»، بعدما أظهرت بيانات أن وزارة الداخلية رفضت أكثر من نصف المطالبات المقدمة، فيما توفي ما لا يقل عن 53 شخصاً بعد تقديم طلبات التعويض وقبل الحصول على مستحقاتهم.
أما هول، فما زال يحتفظ ببطاقات عمل طُبعت له قبل سنوات، تحمل اسم مشروعه الذي لم يتمكن من إطلاقه: «Always Decorating Services»، في إشارة إلى رغبته في العمل بمجال الطلاء والديكور، مستفيداً من التدريب المهني الذي تلقاه خلال سجنه.
ويقول هول، الذي يشجع نادي توتنهام ويصف بريطانيا بأنها موطنه، إنه لا يفهم استمرار التشكيك في حقه في العيش فيها، مضيفاً: «أنا بريطاني مثل أصدقائي تماماً».
ومع اقتراب أخته التي يقيم معها من الانتقال إلى منزل آخر، يواجه هول خطر التشرد، بعد سنوات طويلة حُرم خلالها من العمل والاستقرار، رغم قضائه عقوبته الجنائية.