عرب لندن
شنّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، هجومًا غير مسبوق على السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون، معترفًا بأنه أخطأ حين وثق بتأكيداته قبل تعيينه ممثلًا لبريطانيا في واشنطن، وذلك في محاولة لامتصاص الغضب السياسي المتصاعد داخل بريطانيا، وخصوصًا في أوساط حزب العمال الذي ينتمي إليه.
ويتعرض ستارمر لضغوط متزايدة من نواب حزبه ومن المعارضة على حد سواء، بسبب قرار تعيين ماندلسون مبعوثًا إلى الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2024، في وقت كانت فيه علاقاته بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية والاتجار بالقاصرات، معروفة على نطاق واسع.
وقال ستارمر في كلمة ألقاها في جنوب إنجلترا: "كان من المعروف علنًا لبعض الوقت أن ماندلسون كانت له علاقة بإبستين، لكن لم يكن أيٌّ منا يعرف عمق وقتامة تلك العلاقة".
وفي مؤتمر صحافي صباح اليوم، اعتذر رئيس الوزراء للبريطانيين ولضحايا إبستين، وقال في رسالة مباشرة لهم: "أنا آسف لما حدث لكم. آسف لأن كثيرين ممن يملكون السلطة خذلوكم. وآسف لتصديقي أكاذيب ماندلسون وتعييني له، وآسف لأنكم تُجبرون اليوم على مشاهدة هذه القصة تتكشف أمام الملأ مرة أخرى".
وقد فجّرت هذه القضية موجة انتقادات واسعة بعد أن كشفت وزارة العدل الأميركية، الأسبوع الماضي، عن مجموعة جديدة من الوثائق تضمنت مراسلات إلكترونية أظهرت متانة العلاقة بين الرجلين، إلى جانب اتهامات بتورط ماندلسون في تسريب وثائق حكومية بريطانية إلى إبستين.
وأوضح ستارمر أن ماندلسون يخضع حاليًا لتحقيق جنائي بشأن شبهات تتعلق بتسريب معلومات حكومية شديدة الحساسية إلى إبستين خلال فترة توليه منصب وزير في حكومة العمال عام 2009. وكان رئيس الوزراء قد عيّن ماندلسون سفيرًا في الولايات المتحدة في فبراير/شباط من العام الماضي، قبل أن يعفيه من منصبه بعد سبعة أشهر فقط، عقب ظهور رسائل إلكترونية كشفت مدى عمق الصلة بينه وبين إبستين.
وفي جلسة المساءلة البرلمانية الأسبوعية التي عُقدت أمس الأربعاء، أقرّ ستارمر، تحت ضغط المعارضة وعدد من نواب حزبه، بأن الأجهزة الأمنية كانت قد أطلعته مسبقًا على طبيعة العلاقة بين ماندلسون وإبستين قبل قرار التعيين، لكنه قال في مؤتمره الصحافي اليوم إنه لم يكن على علم بمدى تشابك تلك العلاقة وامتداداتها الفعلية في حينه.
وأعلنت الحكومة أنها ستفرج عن وثائق تعيين ماندلسون سفيرًا، قبل أن تعود وتتعهد بنشر جميع الوثائق المرتبطة بتفاصيل علاقته بإبستين، مع إحالتها إلى لجنة الأمن والاستخبارات في البرلمان لفحصها وتحديد ما يمكن كشفه للرأي العام من دون الإضرار بالمصالح الوطنية البريطانية أو أمن الدولة أو علاقاتها الخارجية. غير أن الشرطة البريطانية طلبت من الحكومة التريث في نشر أي وثائق في الوقت الراهن، خشية أن يؤثر ذلك على مسار التحقيق الجنائي المفتوح.
ومن المنتظر أن يشمل التحقيق استجواب شخصيات بارزة في حزب العمال، من بينها رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، الذي شغل ماندلسون في عهده منصب وزير الأعمال بين عامي 2008 و2009. وتشير الوثائق الأميركية إلى أن ماندلسون أحال رسائل إلكترونية بين كبار مسؤولي الحكومة البريطانية، من ضمنهم براون نفسه، إلى إبستين، وتضمنت تلك المراسلات معلومات تتعلق بالوضعين الاقتصادي والمالي في بريطانيا وخطط محتملة للتعامل مع تداعيات الأزمة المالية آنذاك، بما في ذلك مقترحات ببيع بعض أصول الدولة.
وفي المقابل، صعّدت زعيمة حزب المحافظين المعارض كيم باندوك من لهجتها تجاه ستارمر فور انتهاء مؤتمره الصحافي، معتبرة أن اعتذاره "لا يرقى إلى حجم الخطأ"، وواصفة إياه بـ"الجبان". وقالت إن رئيس الوزراء لم يقدم الاعتذار الصحيح، إذ كان الأجدر به أن يعتذر عن تجاهله التقييمات الأمنية التي تلقاها قبل التعيين، لا عن تصديقه رواية ماندلسون. كما أعربت عن شكوكها في التزام الحكومة بالإفراج الكامل عن الوثائق، مطالبة بنشر وثائق تعيين ماندلسون سفيرًا فورًا، ومؤكدة أن من حق الرأي العام الاطلاع على تفاصيل عملية التعيين كاملة، مع مراعاة ما تطلبه الشرطة بشأن عدم التأثير في مجريات التحقيق.