محمـد عمـر

منذ فترة وأنا أحدّث نفسي كثيرًا حول تغيّر سلوكنا كبشر: كيف استطعنا أن نتقبّل هذا الكمّ من الجرائم؟ جرائم كان أصغرها فيما مضى كافيًا لإثارة الشارع وإشعال المظاهرات، ودفع الناس للمطالبة بتدخل الحكومات والمنظمات. أما اليوم، فغزة تُباد على الهواء مباشرة، ولا أحد يتحرّك، ولا حتى في وقفة رمزية.

ما الذي تغيّر؟ كيف أصبح كل هذا الدمار لا يحرّك فينا ساكنًا؟ قصف، قنص، حرق، حصار شامل، تدمير المستشفيات، المدارس، محطات المياه والكهرباء، وقوافل الإغاثة، حتى خيام اللاجئين. كلّ شيء يتحوّل إلى رماد، والردّ: صمت، أو تبرير، أو تجاهل.

كنت أتابع وأسأل نفسي يوميًا: كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من التبلّد؟ كيف تقبّل البشر هذا القدر من الوحشية دون أن يرفّ لهم جفن؟ كيف أصبحنا نشاهد صور الأشلاء، العظام البارزة من تحت الجلد، جثث الأطفال تحت الأنقاض، ولم نعد نثور، يُتابع كما تُتابع مباريات كرة القدم أو تقلبات الأسواق؟

هذه ليست مجرد أسئلة عابرة، بل هي مفاتيح لفهم أخطر ما يواجهه الوعي الإنساني في عصرنا الحالي: تطبيع الجريمة

كيف يحدث تطبيع الجريمة؟
الفكرة بسيطة وخطيرة في آن: عندما يُبرَّر حدث إجرامي بشكل متكرر، وتُقدَّم له سرديات سياسية أو أمنية، ثم يُعاد تكراره دون عقاب أو محاسبة، فإن المجتمع – بمرور الوقت – يتقبّله. يُصبح تكرار الجريمة مألوفًا. يُخدّر الوعي. يُصاب الضمير بالتآكل.

في بداية الحرب، خرج وزير الدفاع الإسرائيلي معلنًا صراحة: “نتعامل مع بشر على هيئة حيوانات”، تزامن ذلك مع فرض حصار كامل: لا ماء، لا كهرباء، لا غذاء. مشهد لا يمكن تخيله في القرن الحادي والعشرين. تلت ذلك ضربات عشوائية مجنونة. ثم، بدأت الماكينة الإعلامية الغربية تشتغل: “دفاع عن النفس”، “حمـاس تختبئ خلف المدنيين، وتستخدمهم كدروع بشرية”، “إسرائيل تُنذر قبل القصف”. كلها شعارات أُعيد تدويرها لتبرير ما لا يُبرر.

حتى جاء قصف مستشفى المعمداني. أكثر من 400 شهيد في لحظة واحدة. بدا وكأنها لحظة كسر الصمت. خرجت الجماهير حول العالم. أدان الجميع. لكن، خلال ساعات، خرج الرئيس الأمريكي ليردّد أن إسرائيل “ليست المسؤولة”، واستند إلى “معلومات استخباراتية” لم يراها أحد. ثم بدأت كبريات وسائل الإعلام بترديد الرواية. ووضع سيناريوهات أن الفلسطينيين هم من قصفوا أنفسهم.

بعد ذلك، قيل إن مستشفى الشفاء يضم قاعدة عسكرية تحت الأرض وساهمت بعض وسائل الإعلام بترديد هذا الخطاب. فدُمّرت المستشفى، وشُرّد المرضى في مشهد سيخلده التاريخ، دون أي دليل. ومع ذلك: لا محاسبة، ولا مساءلة، لا من الإعلام، ولا من المؤسسات الدولية.

ومن هنا بدأت المرحلة الأخطر: إعادة تكييف الرأي العام لقبول ما لا يُقبل. سقط الخط الأحمر الأول. فصار الخط الثاني أضعف. والثالث بالكاد يُذكر.

من مشهد صادم إلى حدث عادي

اليوم، قصفت وتُقصف مستشفيات غزة واحدة تلو الأخرى. يُقتل الأطفال والمرضى في أسِرّتهم، ويُترك الجرحى دون علاج. قوافل الإغاثة تُستهدف. حتى المقابر نُبشت. تُرك الموتى بلا كرامة، والأحياء بلا ماء أو طعام أو مأوى.

كل أشكال الموت وقعت: تحت القصف، بالقنص، تحت الأنقاض، بالجوع، بالحرق، وحتى بالدفن أحياء. ومع ذلك، لا تنديد حقيقي، ولا مساءلة دولية، ولا حتى استنكار جماعي يليق بحجم الجريمة.

هذا هو جوهر “تطبيع الجريمة”. كلما تكررت الجريمة دون محاسبة، خفّ وقعها. ومع كل ضربة، كان الخط الأحمر يُسقط، ومعه يُسقط جزء من الضمير الإنساني. لم يعد للموت طعم. فهكذا يُصنع تطبيع الجريمة: بالتكرار، بالتبرير، وبالصمت.

الأخطر من هذا كله، هو تراجع الغضب الشعبي نفسه. ما كان يشعل الشارع قبل أشهر، صار الآن خبرًا روتينيًا. اعتدنا صور الموت. اعتدنا اللاجدوى. وربما، لا شعوريًا، بدأ البعض يروج رواية الجاني… أو على الأقل لم يعد يهتم.

هكذا تُقتل الإنسانية: على دفعات، عبر اعتياد الجريمة. والنتيجة؟ المعتدي يزداد جرأة، لأنه لم يُحاسب. والضحية تزداد يأسًا، لأنها تُخذل. والعالم يخسر آخر ما تبقى من معاييره الأخلاقية.

فما الذي يحدث فعليا لنا حتى نفهم تطبيع الجريمة هو التالي: في البداية تُقدَّم مبررات إعلامية وسياسية (وجود إرهابيين، دفاع عن النفس، أخطاء استخباراتية…). ثم يتم نقل التركيز من الضحايا إلى “الضرورة العسكرية”. ثم تبدأ ضخ وسائل الإعلام، خاصة الموجهة و المنحازة، بتكرار هذه المبررات. وبالطبع لاحقًا تبدأ المنظمات الدولية أو الحكومات بتقليل ردودها تدريجيًا، إما بسبب الضغوط أو المصالح.

ثم نتيجة ذلك الناس يتعودون على الخبر، يصبح أقل صدمة في كل مرة. ثم ينخفض التفاعل الشعبي، حتى من الفئات التي كانت ترفض ذلك بقوة. بعدها تبدأ المعايير الأخلاقية بالتآكل: ما كان جريمة يصبح “جدلاً سياسياً”، ثم “خطأ غير مقصود”، ثم لا يُذكر أصلاً. وأخيرًا تبدأ هذه الأفعال تُعامل كـ”أحداث عادية في زمن الحرب”، مما يؤدي إلى تطبيع الجرائم.

وهذا ما يعزز في عقلية المعتدي شعور بالشرعية، لأن التكرار دون عقاب يُفهم كـ”تقبل”. وتزداد جرأته على تجاوز الخطوط الحمراء، لأنه لم يُحاسب في السابق. وأما في عقلية الضحية، فأنه يشعر بالخذلان والعجز، وقد يصل إلى فقدان الثقة بالمجتمع الدولي.

في النهاية… ما يحدث اليوم ليس مجرد إبادة لغزة. إنه امتحان أخلاقي للعالم. وإن قبل العالم أن يتحوّل قتل الأطفال وتجويع الملايين إلى “خلاف سياسي”، فقد تخلّى عن فكرة العدالة ذاتها.

إن تطبيع الجريمة أخطر من الجريمة ذاتها. لأنه لا يقتل الناس فقط… بل يقتل الضمير.

السابق الداخلية البريطانية تُطلق ثورة في نظام اللجوء: مسار سريع، محاكم إضافية، وتحقيقات جنائية على الإنترنت
التالي هل الحكومة البريطانية شريكة في جرائم الاحتلال الإسرائيلي؟ التوبة المتأخرة لا تعفي من المحاسبة