عرب لندن

تحدى رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا بشأن تهديداته بضم غرينلاند من الدنمارك، مؤكدًا دعمه الصريح لرئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، في موقف غير مألوف يعكس توترًا متزايدًا في العلاقات عبر الأطلسي.

وبحسب صحيفة "الإندبندنت" The Independent يأتي هذا الموقف في وقتٍ أثار فيه التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا موجةً واسعة من الانتقادات القانونية والسياسية، إذ وصف القاضي السابق في المحكمة العليا البريطانية اللورد جوناثان سومبشن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه "غير قانوني بشكل واضح"، فيما اعتبر المدعي العام البريطاني السابق دومينيك غريف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُشكّل "خطرًا جسيمًا وكبيرًا على السلام العالمي".

وأعلن ستارمر تضامنه مع الدنمارك بعد أن طالب ترامب بشكل مفاجئ بضم غرينلاند، وهو إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع للمملكة الدنماركية، داعيًا إلى احترام سيادة الدول وحلفاء حلف شمال الأطلسي. 

وفي تصريح للصحفيين، أكد رئيس الوزراء أن نظيرته الدنماركية"محقة" في رفضها الادعاءات الأمريكية، مشددًا على أن مستقبل غرينلاند يقرره شعبها ومملكة الدنمارك فقط.

وفي المقابل، امتنع ستارمر عن إدانة التدخل الأمريكي في فنزويلا، رغم تصاعد التحذيرات القانونية من أن اعتقال مادورو والغارات الجوية التي استهدفت العاصمة كاراكاس تمثل انتهاكًا للقانون الدولي. 

وكان ترامب قد ألمح خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى أن فنزويلا قد لا تكون الدولة الأخيرة التي تتعرض لتدخل أمريكي، في سياق أعاد إلى الواجهة أجندته التوسعية التي شملت سابقًا مطالبات إقليمية بحق كندا، وهي أيضًا حليفة في الناتو.

وقال ترامب في تصريح لمجلة"ذا أتلانتيك" The Atlantic:"نحن بحاجة إلى غرينلاند، بكل تأكيد"، وهو تصريح أعاد تأكيد مطالبه المستمرة منذ يناير/كانون الثاني 2025. وكانت لندن قد أعلنت في فبراير/شباط من العام الماضي دعمها للدنمارك في مواجهة هذه المطالب.

وزادت حدة الجدل بعد أن نشرت كاتي ميلر، زوجة ستيفن ميلر أحد كبار مساعدي ترامب، صورة لغرينلاند على وسائل التواصل الاجتماعي بألوان العلم الأمريكي مرفقة بكلمة"قريبًا"، وذلك عقب العملية العسكرية في فنزويلا، ما أثار استياءً رسميًا في كوبنهاغن.

وردّت رئيسة الوزراء الدنماركية في بيان رسمي قائلة:"ليس للولايات المتحدة الحق في ضم أي من الدول الثلاث المكونة للمملكة الدنماركية"، في إشارة إلى الدنمارك وغرينلاند وجزر فارو.

وخلال زيارة لمركز مجتمعي في بيركشاير، قال ستارمر لشبكة"سكاي نيوز" تعليقًا على لهجة فريدريكسن الحازمة:"أنا أؤيدها، وهي محقة بشأن مستقبل غرينلاند".

ورغم عدم إجراء أي اتصال مباشر بعد مع ترامب، أوضحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر موقف المملكة المتحدة خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مساء الأحد. كما لم ينفِ مكتب رئيس الوزراء تقارير تحدثت عن نية بريطانيا الامتناع عن التصويت على مشروع قرار في مجلس الأمن يدين التدخل الأمريكي في فنزويلا.

وأكد ستارمر، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية، أن"غرينلاند ومملكة الدنمارك وحدهما من يقرران مستقبل غرينلاند"، مشددًا على أهمية احترام سيادة الحلفاء داخل الناتو.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن حكومة حزب العمال عملت خلال الأشهر الماضية على تعزيز علاقاتها مع الدنمارك، واستفادت من خبرتها في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، نظرًا للتقارب السياسي بين الحكومتين.

من جانبه، حذر المدعي العام السابق دومينيك غريف من أن العملية الأمريكية في فنزويلا"لا تستند إلى أي أساس قانوني"، معتبرًا أن تصريحات ترامب بشأن غرينلاند تعكس"أوهامًا حول حق الولايات المتحدة في التدخل في أي مكان ضمن نصف الكرة الغربي". وأضاف لصحيفة “الإندبندنت” The Independent :"نحن نعيش في ظل رئيس أمريكي متمرد وغير أخلاقي تمامًا، يشكل خطرًا جسيمًا على السلام العالمي".

واتفق اللورد سومبشن مع هذا التوصيف، مؤكدًا أن الهجوم على فنزويلا"غير قانوني بشكل واضح"، وأن أي محاولة لتبريره قانونيًا"لا يمكن مناقشتها بجدية".

في المقابل، واصل ستارمر رفضه إدانة التدخل الأمريكي، رغم تصاعد الضغوط من داخل حزب العمال وأحزاب المعارضة، بما فيها حزب الخضر والديمقراطيون الليبراليون. وكانت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم ووزيرة الظل السابقة، من أبرز الأصوات المنتقدة، مؤكدة أن"اقتحام دولة أصغر أو سجن قادتها أو الاستيلاء على مواردها أمر يتعارض مع القوانين الدولية التي نشأت بعد ويلات الحرب العالمية الثانية".

وقالت ثورنبيري:"لا يجوز الاستناد إلى القوة. فمجرد قدرة الدول الكبرى على اقتحام الدول الأصغر لا يعني السماح لها بذلك".

كما وصفت النائبة العمالية كيت أوزبورن التدخل الأمريكي بأنه"هجوم سافر وانتهاك صارخ للقانون الدولي"، معتبرة أن هدفه الاستيلاء على موارد فنزويلا، ولا سيما احتياطياتها النفطية الضخمة.

وأكد ستارمر، من جهته، أن القانون الدولي يجب أن يكون"الركيزة الأساسية" لمستقبل فنزويلا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة"ستسعى لتبرير" أفعالها ضمن هذا الإطار. لكنه امتنع عن الإجابة بشكل مباشر عند سؤاله عما إذا كانت واشنطن قد انتهكت القانون الدولي، مكتفيًا بالقول إن الوضع"معقد"، وأن الأولوية يجب أن تكون للاستقرار والانتقال السلمي إلى الديمقراطية.

وأضاف:"الغالبية العظمى من نواب حزب العمال يريدون رؤية ديمقراطية في فنزويلا، وهذا أمر بالغ الأهمية".

السابق في ضوء الإصلاحات الأخيرة: هل أجحفت وزارة الداخلية البريطانية بحق طالبي اللجوء؟
التالي رئيس تحرير عرب لندن: اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين تصحيح تاريخي لخطأ وعد بلفور