عرب لندن

يعاني نظام اللجوء في المملكة المتحدة من عيوب هيكلية عميقة تجعل حياة آلاف اللاجئين قاسية وغير مستقرة، وسط مؤشرات على أن المشكلة ليست في الأشخاص طالبي الحماية، بل في طبيعة النظام وآليات عمله.

وفي نوفمبر الماضي، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود، عن حزمة إصلاحات جديدة، واصفة النظام بأنه “خارج عن السيطرة” و"غير عادل". شملت هذه الإصلاحات تحويل صفة اللاجئ من دائمة إلى مؤقتة، وإلغاء الدعم السكني والمساعدات المالية بعد فترة محدودة، واستحداث مسارات قانونية محدودة لدخول البلاد، إلى جانب تعديلات على النظام القضائي للحد من تعدد الطعون والاستئنافات.

تهدف الحكومة إلى تقليص التكاليف وتسريع الإجراءات، إلا أن منظمات حقوقية تحذّر من أن هذه التغييرات قد تزيد من هشاشة أوضاع اللاجئين بدلًا من معالجتها.

الواقع الصعب لطالبي اللجوء

على الأرض، يواجه اللاجئون أوضاعًا صعبة. كثيرون ينتظرون سنوات طويلة دون الحصول على قرار نهائي بشأن طلباتهم، بينما يُجبر آخرون على مواجهة خطر التشرد أو تفكك أسرهم بسبب السياسات المعمول بها.

أظهر تحليل صادر عن مكتب التدقيق الوطني أن أكثر من نصف طالبي اللجوء الذين تقدموا بطلباتهم قبل ثلاث سنوات لا يزالون في حالة انتظار، ما يخلق إحباطًا نفسيًا ويعيق بدء حياة مستقرة أو التخطيط للمستقبل.

ورغم رغبتهم في العمل والمساهمة في المجتمع البريطاني، يُحظر عليهم العمل قانونيًا لفترات طويلة، حتى في قطاعات تعاني نقصًا حادًا في الأيدي العاملة، مثل الخدمات الصحية ورعاية المسنين.

يقول أحد اللاجئين: “نريد أن نعمل ونساعد، لكننا محاصرون بالانتظار ونظام لا يسمح لنا بالاستقلال”.

حلول مؤقتة وغير مستقرة

تلجأ السلطات إلى إسكان طالبي اللجوء في الفنادق أو المواقع العسكرية السابقة. ورغم تكلفتها الباهظة التي تبلغ مليارات الجنيهات سنويًا، غالبًا ما تكون هذه الأماكن غير مناسبة للسكن طويل الأمد، ولا توفر بيئة آمنة أو مستقرة للعائلات.

كما يؤدي النقل المتكرر من مكان إلى آخر إلى تعطيل تعليم الأطفال، ويزيد من شعور العزلة وعدم الاستقرار النفسي لدى الأسر.

حتى بعد الحصول على صفة اللاجئ، لا تنتهي المعاناة. إذ يُمنح الأفراد 28 يومًا فقط للبقاء في أماكن الإقامة المدعومة قبل قطع الدعم المالي والسكني، وهو وقت غير كافٍ للعثور على عمل أو مسكن جديد.

قصص إنسانية تبرز حجم الأزمة

تجسد قصة علي، اللاجئ القادم من غزة، جزءًا من هذه المأساة. بعد حصوله على صفة لاجئ، لا تزال أسرته تعاني ظروفًا قاسية، حيث يعيش الأطفال في مخيمات شتوية تتسرب منها المياه وتفتقر إلى الاستقرار.

وتفاقمت التحديات الإنسانية بتعليق تأشيرات لمّ شمل الأسر، التي كانت تسمح للاجئين بجلب عائلاتهم وتأمين حد أدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي، وهو عنصر أساسي للاندماج في التعليم وسوق العمل والمجتمع.

التضامن الشعبي ودور المجتمع

في المقابل، يبرز الدور الحيوي للمتطوعين والمجتمعات المحلية والجماعات الدينية، التي تقدم الدعم النفسي والمادي للاجئين في محاولة لسد الفجوات التي يتركها النظام الرسمي.

يقول أحد المتطوعين: “نحاول تعويض ما يفتقده النظام الرسمي، سواء في التعليم أو الدعم النفسي، لكن الجهد لا يكفي لمواجهة حجم الأزمة.”

ويعكس هذا التضامن الشعبي القيم البريطانية التي اعتبرت المملكة المتحدة دائمًا ملاذًا آمنًا للفارين من النزاعات والاضطهاد.

النظام بحاجة إلى إصلاح جذري

تؤكد الصورة المتشابكة أن المشكلة ليست في اللاجئين أنفسهم، بل في نظام يحتاج إلى إصلاحات حقيقية. إصلاحات تبدأ بتسريع اتخاذ القرارات، توفير دعم مالي وسكن مستدام، والسماح للاجئين بالعمل والمساهمة في المجتمع.

نجاح اللاجئين في بناء حياة كريمة لا يشكل عبئًا، بل يُعد مؤشرًا حقيقيًا على نجاح السياسات الوطنية في احترام حقوق الإنسان وضمان الأمان والاستقرار للجميع.

رينيه مان، المديرة التنفيذية للخدمات في مجلس اللاجئين، تقول: “يجب أن نعيد التفكير في نظام اللجوء بالكامل، حتى يتمكن كل شخص من الحصول على فرصة حقيقية للاندماج والعيش بكرامة.”

السابق القبض على سيدة أعمال هاربة في لندن متهمة بقتل فتاتين بتوت مسموم
التالي ستارمر يدعم الدنمارك ويرفض أطماع ترامب في غرينلاند