أحمد عمر زعبار - شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن

كنتُ قد تناولتُ في مقالات سابقة أداء السفارة التونسية في لندن وما شهدته من تحوّلات ملحوظة في أسلوب عملها ونهجها الدبلوماسي، وهي تحوّلات لافتة تستحق المتابعة والتقييم والنقد إن لزم الأمر، واليوم أجد نفسي مدفوعاً للعودة إلى هذا الموضوع مجدداً، على ضوء احتفال التونسيين بعيد الاستقلال وما حمله من مؤشرات إضافية على هذا التوجّه المتجدد.

شهدت العاصمة البريطانية لندن احتفالاً مميزاً بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال الجمهورية التونسية، في مناسبة اتسمت بأبعاد تتجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي ما قد يشير إلى عودة الروح إلى العمل الدبلوماسي التونسي في المملكة المتحدة بعد سنوات طويلة من الغياب النسبي لمثل هذه الفعاليات... الاحتفال شهد حضوراً لافتاً لأعضاء السلك الدبلوماسي من الدول العربية الشقيقة كاليمن وقطر والإمارات والأردن وعُمان والجزائر وفلسطين والسودان ومصر والسعودية، وغيرها إلى جانب سياسيين وبرلمانيين وممثلي دول أوروبية وإفريقية ولاتينية، ومن اللافت للنظر في قائمة الضيوف ليس فقط كثافة حضور أعضاء السلك الدبلوماسي من عديد الدول، بل أيضاً الحرص على استدعاء رجال أعمال ومستثمرين، عرب وغير عرب في إشارة إلى توجه يتجاوز الطابع البروتوكولي نحو بعد اقتصادي عملي يقوم على تعزيز وتشجيع فرص الاستثمار والتنمية وهو ما تجسّد أيضاً في دعوة كريستينا سكوت، المدير العام لشبكة البعثات في وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، التي أكدت في كلمتها على تاريخية العلاقات التونسية البريطانية التي ترجع جذورها إلى عام 1662 مع التذكير بزيارة الملكة إليزابيث الثانية إلى تونس سنة 1980 بوصفها محطة بارزة في مسار الصداقة بين البلدين مؤكدة أهمية البناء على هذا الإرث التاريخي لتعزيز التعاون في مختلف المجالات مشيرة في ذات السياق إلى التطور الملحوظ في عدد السياح البريطانيين الوافدين إلى تونس، مؤكدةً أن هذا الزخم يعزز فرص الاستثمار.

أجواء الاحتفال اتسمت بالدفء وروح الصداقة وبدت المناسبة فرصة لتعزيز التواصل بين تونس وشركائها، وكذلك لتفعيل الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجالية التونسية في الخارج في التعريف ببلادها ودعم حضورها الاقتصادي والثقافي، فقد كان واضحاً أن الهدف لم يكن مجرد إحياء ذكرى تاريخية، ولم يكن مجرّد مناسبة بروتوكولية لتبادل عبارات المجاملة والتقاط الصور، ولا حدثًا استعراضيًا للقاء الأصدقاء، بل كان سعيا جادالتعزيز العلاقات الثنائية كما مثّل فرصة لتأكيد حضور تونس على الساحة الدولية.. إنّ ما يبعث على التفاؤل حقّا أنه يمكن وضع هذا الاحتفال في سياق ما يمكن وصفه بعودة الروح إلى الدبلوماسية التونسية في لندن، إذ لم تشهد الساحة الدبلوماسية التونسية في العاصمة البريطانية مثل هذه اللقاءات الجامعة منذ سنوات طويلة تجاوزت ربع قرن. وحتى حين كانت تقام احتفالات في السابق، كانت تقتصر في الغالب على عروض موسيقية للأغاني التونسية الشعبية والملابس التراثية دون أن تتخذ شكل لقاءات حوارية وتواصلية يمكن أن تثمر تعاوناً اقتصادياً وثقافياً ملموساً.

ندرك كتونسيين مقيمين هنا أن الإمكانيات المادية المتاحة محدودة، وأن عدد العاملين في السفارة قليل مقارنة بحجم المسؤوليات. ومع ذلك نلاحظ سعيا إلى استثمار اللقاءات المتاحة وتنظيم المشاركة فيها بما يسمح بالتعريف بتونس والاستفادة الاقتصادية والثقافية من هذه اللقاءات، والحدّ من بقائها في إطار الشكل البروتوكولي.

ما يمكن ملاحظته في الختام أن هذا الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية مكررة ومعتادة بل ربّما يشكّل مؤشراً على ديناميكية جديدة ونهجا جديدا في العمل الدبلوماسي التونسي في لندن، وعلى توجه نحو توظيف الدبلوماسية لخدمة المصالح الوطنية بما فيها المصالح الاقتصادية وهي بداية واعدة ونهج مميز نأمل أن يتواصل ويتوسع، بما يعزز حضور تونس دولياً، ويسهم في دعم اقتصادها والتعريف بمشروعها الحضاري.. إن مواصلة هذا النهج وترسيخه كقاعدة ثابتة في تنظيم الاحتفالات والمناسبات الوطنية من شأنه أن يشكّل إحياءً فعلياً للدبلوماسية التونسية في لندن، ويعيد إليها ديناميتها ودورها العملي، بما يؤكد عودة الروح وعودة الحياة إلى العمل الدبلوماسي التونسي. كما يُؤمل أن يمتد اعتماد هذا التوجّه ليشمل مختلف البعثات الدبلوماسية التونسية في العالم، لا في لندن فحسب.


 

السابق زيادات رسوم التأشيرات في بريطانيا: عبء مالي جديد أم إعادة رسم لخريطة الهجرة؟
التالي الحرب في الشرق الأوسط عند منعطف خطير… إلى أين يتجه العالم؟