عرب لندن
أجمعت كبرى المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تقارير صدرت اليوم الثلاثاء، على أن المملكة المتحدة تواجه أكبر تراجع في النمو الاقتصادي بين الاقتصادات المتقدمة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، ما يعزز مخاطر دخولها في مرحلة ركود تضخمي.
وفي أحدث تقديراتها، خفّضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعاتها لنمو الاقتصاد البريطاني لعام 2026 إلى 0.7% فقط، بتراجع قدره 0.5 نقطة مئوية عن توقعاتها السابقة، وهو أحد أدنى معدلات النمو بين الاقتصادات المتقدمة والأكبر انخفاضًا بين الدول الصناعية الكبرى. وأشارت المنظمة إلى أن هذا التراجع يعود بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، في ظل اعتماد المملكة المتحدة على استيراد الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسواق الغاز والنفط.
وفي السياق نفسه، خفّض صندوق النقد الدولي (IMF) توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني لعام 2026 إلى 0.8% مقارنة بـ1.3% في توقعات يناير، أي بتراجع مماثل قدره 0.5 نقطة مئوية، وهو الأكبر بين دول مجموعة السبع. كما توقع الصندوق نموًا أبطأ في عام 2027 عند 1.3% بدلًا من 1.5%، بعد أن سجل الاقتصاد البريطاني نموًا بنسبة 1.4% في العام الماضي.
وحذّر صندوق النقد من أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط سيؤدي إلى زيادة واضحة في معدلات التضخم، متوقعًا أن يبلغ متوسط التضخم في بريطانيا 3.2% في عام 2026، وأن يقترب لاحقًا من 4%، أي ما يعادل ضعف هدف بنك إنجلترا البالغ 2%. وأشار إلى أن استمرار الضغوط التضخمية سيقيّد قدرة البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة، مع احتمال إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول أو اللجوء إلى مزيد من التشديد إذا تفاقمت الضغوط السعرية.
وتشير التقديرات إلى أن المملكة المتحدة تواجه خطر الدخول في مرحلة ركود تضخمي، وهو مزيج من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهي الحالة التي لم تشهدها البلاد منذ أزمة الطاقة بين عامي 2022 و2023 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وعلى الصعيد العالمي، حذّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار التصعيد في الشرق الأوسط قد يدفع الأزمة إلى التحول إلى “أكبر أزمة طاقة في العصر الحديث”، في حال استمرار تعطل الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز عبر الممرات الحيوية. وفي السيناريو الأسوأ، قد يتراجع النمو العالمي إلى نحو 2% فقط، مع تجاوز التضخم 6%، ما يضع العديد من الاقتصادات الكبرى على حافة الركود.
كما خفّض الصندوق توقعاته للنمو العالمي إلى 3.1% هذا العام قبل أن ترتفع بشكل طفيف إلى 3.2% العام المقبل، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع مستويات المعيشة واضطراب سلاسل الإمداد. وفي المقابل، توقع أن يظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة أكبر، مع نمو يبلغ 2.3% هذا العام و2.1% في العام المقبل، بينما تسجل أوروبا وألمانيا نموًا محدودًا عند 1.1% و1.2% على التوالي.
وأشار الصندوق إلى أن روسيا قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الصراع، بينما شهدت الصين تعديلات طفيفة في توقعات النمو عند 4.4% و4% خلال الفترة المقبلة.
وحذّر كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي من تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن تفكك التحالفات وتزايد النزاعات السياسية والأمنية يعيدان تشكيل السياسات الاقتصادية العالمية، داعيًا إلى تجنب سياسات الدعم غير الموجهة مثل سقوف الأسعار أو الدعم الشامل، لما لها من كلفة مرتفعة وضعف في الفعالية، خصوصًا في ظل اتساع الدين العام وعجز الموازنات.
من جانبها، تواجه وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة لدعم الأسر المتضررة من ارتفاع فواتير الطاقة، مؤكدة أن الحكومة تتحمل تداعيات أزمة عالمية لم تتسبب بها، مع التركيز على سياسات تستهدف تعزيز النمو الإقليمي، ودعم الابتكار والذكاء الاصطناعي، وتوسيع التعاون مع الاتحاد الأوروبي.
وفي أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار النفط مجددًا لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، ما انعكس مباشرة على أسعار الغاز في أوروبا وبريطانيا، ودفع شركات الطاقة إلى سحب العديد من العروض الثابتة ورفع الأسعار للمستهلكين بشكل ملحوظ.
وسجّل قطاع الطاقة في بريطانيا تغييرات سريعة، مع انخفاض عدد العروض الثابتة وارتفاع تكلفة أرخص الباقات السنوية، في ظل حالة من عدم اليقين دفعت الشركات إلى إعادة تسعير المخاطر أو تعليق عروض جديدة، إضافة إلى فرض رسوم على الانتقال بين المزودين في بعض الحالات.
كما أشارت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية (Ofgem) إلى أن سقف أسعار الطاقة الحالي سيستمر في حماية المستهلكين حتى نهاية يونيو، إلا أنه من المتوقع أن يرتفع بنحو 10% في يوليو إذا استمرت الاتجاهات التصاعدية للأسعار.
وفي هذا السياق، حذّر صندوق النقد الدولي من تكرار سياسات الدعم الشامل التي طُبقت خلال أزمة 2022، والتي كلفت الحكومات مليارات الجنيهات، داعيًا إلى أن تكون أي تدخلات حكومية محدودة ومؤقتة وموجهة للفئات الأكثر تضررًا فقط.
ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة متزايدة من عدم اليقين، نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو، ما يهدد بتوسيع نطاق الضغوط الاقتصادية والمالية عالميًا خلال المرحلة المقبلة.