د- أسامة رشدي

خبير قانوني 

في ظل التحديات الكبرى التي تواجه مجتمعنا كمواطنين بريطانيين من أصول عربية في المملكة المتحدة، من المهم أن تكون مواقفنا تجاه قضايا الهجرة واضحة ومتوازنة، بعيدًا عن التشويش أو الارتباك.

نحن نؤمن بأن الهجرة الشرعية تمثل إضافة حقيقية وإسهامًا بنّاءً في المجتمع البريطاني. فالمهاجرون الذين يحترمون القوانين والإجراءات الرسمية يجلبون معهم المهارات والخبرات والطاقات التي تعزز الاقتصاد البريطاني، وتثري الحياة الاجتماعية، وتساهم في بناء جسور التواصل بين الشعوب. وهم جزء من نسيج هذا البلد، ويتحملون مسؤولية المساهمة الإيجابية فيه كمقيمين أو كمواطنين مستقبليين.

كما أن من حصلوا على اللجوء السياسي بشكل قانوني وجدوا في بريطانيا دولة ذات تقاليد عريقة في حماية المعارضين والمضطهدين من مختلف الخلفيات، وهو ما شكّل أحد عناصر القوة الناعمة البريطانية، ورسّخ روابط إنسانية وسياسية ممتدة مع شعوب كثيرة حول العالم.

أما الهجرة غير الشرعية، وخاصة عبر القوارب الصغيرة التي تعبر المانش من فرنسا، فمن الطبيعي أن تثير قلقًا واسعًا داخل المجتمع البريطاني. فهذه الظاهرة لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية وأمنية حقيقية، من بينها الضغط على الخدمات العامة، وزيادة الأعباء على دافعي الضرائب، وتعقيدات الاندماج، وغيرها من التحديات التي لا ينبغي تجاهلها أو التقليل منها.

ومن الناحية القانونية، يثار جدل واسع حول مدى انطباق تعريف اللجوء السياسي الوارد في اتفاقية جنيف لعام 1951 على جميع من يعبرون المانش، خصوصًا أن كثيرين منهم مرّوا عبر دول أوروبية آمنة قبل وصولهم إلى بريطانيا، وهو ما يدفع قطاعات واسعة من الرأي العام والسياسيين إلى اعتبار نسبة معتبرة من هذه الحالات مرتبطة بالهجرة الاقتصادية أو بالهجرة غير المنظمة أكثر من ارتباطها بطلب الحماية المباشرة من الاضطهاد.

كجالية عربية مقيمة في بريطانيا، لا ينبغي أن نبدو منفصلين عن المخاوف المشروعة للمجتمع البريطاني، لأن تجاهل هذه المخاوف يضعف موقفنا ويُفسَّر خطأً على أنه دفاع عن الفوضى أو غياب الضوابط. نحن جزء من هذا المجتمع، ومن مسؤوليتنا أن نقدم خطابًا عقلانيًا ومتوازنًا يدافع عن القانون والعدالة في آن واحد.

لكن في الوقت نفسه، لا يجوز أن يقتصر النقاش على الجانب الأمني أو الإداري فقط، دون التوقف أمام الأسباب العميقة التي تدفع الملايين إلى الهجرة. فالحروب المستمرة، والصراعات الإقليمية، والانهيارات الاقتصادية، ودعم الأنظمة الفاشلة أو الاستبدادية، كلها عوامل تدفع الناس إلى مغادرة أوطانهم بحثًا عن الأمان أو الحياة الكريمة.

كما أن السياسات العسكرية الغربية، والحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في خلق موجات نزوح وهجرة واسعة، تحملت أوروبا جزءًا كبيرًا من نتائجها بحكم القرب الجغرافي.

ولو شهدت المنطقة انهيارات أوسع في دول كبيرة ومحورية، فإن العالم كان سيواجه موجات هجرة غير مسبوقة قد تصل آثارها إلى مختلف أنحاء أوروبا، بما فيها بريطانيا. لذلك فإن أي نقاش جاد حول الهجرة يجب ألا يقتصر على التعامل مع النتائج، بل يجب أن يتناول أيضًا جذور الأزمات التي تدفع الناس إلى الهجرة من الأساس.

من هنا، فإن مواجهة الهجرة غير الشرعية لا تكون فقط عبر التشديد الأمني أو الإجراءات الحدودية، بل أيضًا من خلال العمل على تقليل أسباب النزوح والهجرة القسرية، ورفض السياسات التي تدمر استقرار الدول والمجتمعات، ودعم بيئات سياسية واقتصادية أكثر عدالة واستقرارًا في المنطقة.

استراتيجيتنا يجب أن تكون شاملة ومتوازنة:

ندعم الهجرة الشرعية المنظمة، ونتفهم القلق البريطاني المشروع من الهجرة غير الشرعية، ونعيد النقاش إلى جذوره السياسية والاقتصادية الحقيقية. بهذه المقاربة يمكن أن نكون صوتًا مسؤولًا وفاعلًا داخل المجتمع البريطاني، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على الدفاع عن مصالح شعوبنا واستقرار منطقتنا.

وتحية للمشاركين في الندوة التي دعت إليها منصة “عرب لندن” حول هذا الموضوع المهم، خاصة بعد أن أصبحت سياسات الهجرة والهجرة غير الشرعية في صدارة أولويات الأحزاب السياسية البريطانية، ومحورًا أساسيًا في الاستقطاب السياسي القائم. مع التمنيات بأن تكون هذه الندوة بداية لحوار جاد وبنّاء يعزز حضور الجالية العربية كقوة واعية ومسؤولة داخل المجتمع البريطاني.

التالي القدومي والصوفي وأمين يناقشون تداعيات فوز اليمين على الهجرة والمهاجرين