بقلم المستشار علي القدومي

لم تعد الصور القادمة من فرنسا مجرد مشاهد عابرة لاحتجاجات شعبية اعتادت عليها شوارع باريس، بل أصبحت تعكس أزمة سياسية واجتماعية عميقة تضرب واحدة من أكبر الدول الأوروبية وأكثرها تأثيراً في مستقبل الاتحاد الأوروبي.

شوارع مشتعلة، ومواجهات عنيفة مع الشرطة، ومبانٍ حكومية تتعرض للهجوم، وآلاف المعتقلين، ورئيس يقف أمام شعب غاضب، بينما تتزايد التساؤلات حول قدرة الدولة على احتواء الأزمة.

لكن السؤال الأخطر لم يعد: ماذا يحدث في فرنسا؟

السؤال الذي ينبغي أن يقلق العواصم الأوروبية هو: هل نشهد بداية الربيع الأوروبي؟

فرنسا… عندما ينفجر الغضب المتراكم

ما تشهده فرنسا اليوم لم يولد من فراغ، ولم يبدأ مع أول سيارة أُحرقت أو أول مواجهة بين المتظاهرين والشرطة.

إنه حصيلة سنوات من الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، وشعور متزايد لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأن الحكومات المتعاقبة لم تعد قادرة على تقديم حلول حقيقية لمشكلاتهم.

بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة من المدارس، حيث خرج الطلبة احتجاجاً على نقص المعلمين وتدهور الظروف التعليمية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة احتجاجية أوسع انضمت إليها النقابات وقطاعات شعبية وحركة السترات الصفراء.

وفي السابع عشر من أكتوبر، شهدت فرنسا احتجاجات واسعة شارك فيها نحو 550 ألف شخص وفق تقديرات وزارة الداخلية، قبل أن تتحول أجزاء من المشهد إلى مواجهات وأعمال عنف وتخريب.

وهنا تكمن خطورة ما يحدث: عندما تتجاوز الاحتجاجات مطالب فئة اجتماعية محددة، وتصبح تعبيراً عن غضب عام تجاه النظام السياسي والاقتصادي، فإن الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول قرار حكومي، بل تتحول إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع.

ماكرون… رئيس يواجه غضب الشارع وعجز السياسة

وصل إيمانويل ماكرون إلى السلطة عام 2017 حاملاً وعوداً بتجديد الحياة السياسية الفرنسية وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

لكن فرنسا التي تستعد اليوم لانتخابات رئاسية جديدة عام 2027 تبدو بعيدة عن تلك الوعود.

فالبرلمان منقسم، والضغوط المالية تتصاعد، والحكومة تواجه صعوبة في التوفيق بين مطالب المواطنين وإمكانات الدولة، فيما تتراجع قدرة الرئيس على تقديم تنازلات اقتصادية واسعة.

والمفارقة أن الرئيس الذي وعد بإعادة الحيوية إلى السياسة الفرنسية يجد نفسه اليوم أمام جيل من الشباب يشعر بأن المستقبل أصبح أكثر غموضاً، وأن التعليم والعمل والسكن والاستقرار لم تعد حقوقاً يسهل الوصول إليها.

قد تستطيع الحكومة استعادة السيطرة الأمنية على الشوارع، لكن السيطرة على الشارع لا تعني بالضرورة استعادة ثقة الشعب.

فالدولة تستطيع تفريق مظاهرة، لكنها لا تستطيع تفريق الأسباب التي دفعت الناس إلى التظاهر.

من باريس إلى روما ومدريد… أوروبا تغلي

الأكثر إثارة للقلق أن فرنسا ليست وحدها.

ففي إيطاليا تتصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالغلاء وتراجع الخدمات العامة، وفي إسبانيا والبرتغال أصبحت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات عنواناً لغضب اجتماعي متزايد، بينما تشهد ألبانيا وصربيا احتجاجات ترتبط بالفساد والأوضاع السياسية والاقتصادية.

تختلف الأسباب المباشرة من دولة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك واضح: قطاعات متزايدة من الأوروبيين تشعر بأن مستوى معيشتها يتعرض للتهديد، وأن المؤسسات السياسية التقليدية لم تعد تستجيب بالسرعة المطلوبة.

لقد اعتادت أوروبا أن تقدم نفسها نموذجاً للاستقرار والرفاهية والعدالة الاجتماعية، لكن هذا النموذج يواجه اليوم اختباراً صعباً.

فالمواطن الذي كان ينظر إلى المستقبل بثقة أصبح يخشى ارتفاع فواتير الطاقة، وعجزه عن شراء منزل، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وتآكل قدرته الشرائية.

ومع استمرار الأزمات الدولية والضغوط الاقتصادية، تتزايد احتمالات انتقال الغضب من المطالب الاجتماعية المحدودة إلى حركات سياسية أوسع.

هل يتكرر مشهد الربيع العربي ولكن بنسخة أوروبية؟

قد يبدو تعبير «الربيع الأوروبي» صادماً للبعض، خصوصاً أن أوروبا تمتلك مؤسسات ديمقراطية وانتخابات دورية وقضاءً مستقلاً وآليات دستورية تسمح بتغيير الحكومات.

وهذا فارق جوهري لا يجوز تجاهله عند المقارنة مع انتفاضات الربيع العربي.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً بالمطالبة بإسقاط الأنظمة، بل قد تبدأ بمطلب معيشي بسيط، ثم تتوسع عندما يشعر المواطنون بأن الأبواب السياسية أمامهم أصبحت مغلقة.

في العالم العربي، لعبت البطالة والفساد وغياب العدالة الاجتماعية وانعدام الثقة بالسلطة دوراً محورياً في تفجير الاحتجاجات.

أما في أوروبا، فإن الغلاء وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة والاستقطاب السياسي قد تتحول إلى عوامل تدفع نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي.

ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجه حتماً إلى ثورات شبيهة بما شهده العالم العربي، بل إن المقارنة تطرح سؤالاً مشروعاً:

هل تستطيع الديمقراطية الأوروبية تجديد نفسها والاستجابة لغضب مواطنيها، أم أن الشارع سيصبح القوة التي تفرض التغيير عندما تعجز المؤسسات السياسية عن تحقيقه؟

الخطر الأكبر… من سيقطف ثمار الغضب؟

ليس مؤكداً أن المستفيد من هذه الاحتجاجات سيكون القوى التي بدأت بها.

فالتاريخ السياسي يخبرنا أن الغضب الشعبي قد يفتح الأبواب أمام قوى لم تكن في مقدمة الحراك.

وفي فرنسا، يراقب اليمين المتطرف الأزمة باهتمام، مستفيداً من تراجع شعبية السلطة وتزايد الشعور بانعدام الأمن والقلق الاقتصادي.

وهنا تبرز مفارقة خطيرة: فقد يخرج المواطن احتجاجاً على الغلاء وتدهور الخدمات، لكنه يجد نفسه لاحقاً أمام مشهد سياسي تهيمن عليه قوى تجعل الهجرة والهوية الوطنية والأمن محاور أساسية للصراع.

وبذلك قد تتحول الاحتجاجات الاجتماعية، التي بدأت بمطالب اقتصادية وتعليمية، إلى نقطة انطلاق لتحولات سياسية أعمق، لا يمكن التنبؤ بنتائجها بسهولة.

أوروبا أمام مفترق طرق

إن ما يحدث في فرنسا يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد أزمة أمنية أو اضطرابات موسمية ستنتهي بإعادة فتح الشوارع وإزالة آثار الحرائق.

الأزمة الحقيقية أعمق من ذلك.

إنها أزمة العلاقة بين المواطن الأوروبي والدولة، وبين الوعود السياسية والواقع الاقتصادي، وبين الديمقراطية بوصفها نظاماً انتخابياً والديمقراطية بوصفها قدرة على الاستجابة لمطالب المجتمع.

وإذا لم تنجح الحكومات الأوروبية في معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لهذا الغضب، فإن الاحتجاجات قد تتكرر وتتسع، حتى لو اختلفت شعاراتها من بلد إلى آخر.

لكن ذلك لا يعني أن أوروبا تقف على أعتاب انهيار شامل، ولا أن جميع الاحتجاجات تشكل حركة ثورية موحدة. فما زالت المؤسسات الديمقراطية تمتلك أدوات مهمة للتغيير والاستجابة.

وأخيراً… هل بدأ الربيع الأوروبي؟

ربما يكون من المبكر إعلان ولادة «الربيع الأوروبي»، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن شيئاً مهماً يتغير في المزاج الشعبي الأوروبي.

فرنسا اليوم قد تكون جرس إنذار لبقية العواصم، لا لأنها تشهد احتجاجات للمرة الأولى، بل لأن الغضب يتقاطع مع أزمة سياسية واقتصادية في توقيت بالغ الحساسية.

والسؤال لم يعد فقط عما إذا كان ماكرون سينجح في احتواء الأزمة، بل عما إذا كانت الطبقة السياسية الأوروبية قادرة على استعادة ثقة شعوبها قبل أن تتسع الفجوة بين الشارع ومؤسسات الحكم.

لقد انطلقت شرارة الغضب في فرنسا، وامتدت الاحتجاجات بأشكال مختلفة إلى دول أوروبية أخرى. فهل تنجح الحكومات في إطفاء أسباب الاشتعال، أم أن باريس تكتب الفصل الأول من مرحلة سياسية جديدة في أوروبا؟

قد لا يكون الربيع الأوروبي قد بدأ بعد… لكن رياح التغيير تهب، ومن الخطأ أن تعتقد العواصم الأوروبية أن ما يحدث في شوارع 

التالي كيف صوت المسلمون البريطانيون في انتخابات "هولبورن"؟