شبكة دولية تهرّب المهاجرين عبر القنال.. BBC توثق الانتهاكات من الداخل
عرب لندن
كشفت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، في تحقيق سري امتد لأشهر، عن شبكة تهريب عنيفة تنشط بين شمال فرنسا والمملكة المتحدة، تنقل مهاجرين عبر القنال الإنجليزي في قوارب مطاطية، مستخدمة وسائل مراوغة لتفادي الشرطة، ومعروفة باستخدامها العنف ضد ضحاياها وأعوانها.
بدأ التحقيق في أبريل 2024، عقب حادثة مروّعة قُتل فيها خمسة أشخاص، بينهم طفلة سورية تبلغ من العمر سبع سنوات تُدعى سارة، خلال محاولة عبور فاشلة من فرنسا إلى بريطانيا. وتمكّن مراسل من BBC، تظاهر بأنه مهاجر سوري، من التسلل إلى معسكر المهربين في غابة قرب ميناء دونكيرك، والتي تُعدّ ساحة صراع بين عصابات متنافسة.
وتوصل التحقيق إلى أن الشبكة يقودها ثلاثة رجال من أصول كردية عراقية: "جبل"، و"آرام"، و"الملّا". الأول ينسّق العمليات من فرنسا وبلجيكا، والثاني يعمل على تجنيد المهاجرين من العراق، أما الثالث فيشرف على الجانب المالي. ويُعتقد أن أحد أقارب هؤلاء القادة، ويدعى "عبدالله"، هو المسؤول الميداني عن عمليات التهريب قرب الساحل الفرنسي.
رُصد عبدالله وهو يستقبل مهاجرين ويؤمّن تحرّكهم نحو الشاطئ، مطمئنًا إياهم بابتسامة تشبه موظفي شركات الطيران، بحسب وصف المراسل المتخفّي، الذي سجّل لقاءات صوتية ومصورة داخل الغابة.
على الجانب البريطاني، كشف التحقيق عن شبكة لجمع الأموال من العملاء داخل المملكة المتحدة. وتم تصوير رجال تابعين للعصابة في محطة "نيو ستريت" بمدينة برمنغهام، وهم يتسلّمون مبالغ نقدية تتراوح بين 900 و1400 جنيه إسترليني لقاء تهريب المهاجرين، عبر وسطاء محلّيين يستخدمون كلمات رمزية مثل "عبدالله" و"Birmingham" في عمليات الدفع.
وتبيّن أن العصابة تتجنب الإعلان العلني عبر الإنترنت، على عكس شبكات أخرى، وتعتمد على السمعة الشخصية والتوصيات، وتخدم مهاجرين من دول عدة، أبرزها العراق والسودان والصومال.
كشف التحقيق عن انتهاكات مروّعة داخل المعسكرات، منها اعتداءات جسدية وتهديد بالسلاح. إحدى النساء قالت إن عبدالله وضع مسدسًا على رأسها وصفعها مرارًا، كما وثّق مصدران حادثة أمر فيها "الملّا" بربط أحد أعوانه إلى شجرة وضربه، بعد الاشتباه في سرقته.
وأظهر التحقيق أن الشبكة غيّرت اسمها عدة مرات للتمويه، فبعد أن كانت تُعرف بـ"الجبل"، أصبحت تُسمّى "غالي غالي"، ثم "الملّا"، وأخيرًا "كاكا".
وفي إحدى المحاولات، رافق المراسل مجموعة مهاجرين إلى شاطئ "إكول" برفقة عبدالله. وعند اقترابهم من نقطة الإطلاق، اعترضتهم الشرطة الفرنسية وأتلفت القارب، فعادوا إلى الغابة بانتظار فرصة جديدة.
ورغم دخول اتفاق بريطاني-فرنسي جديد حيّز التنفيذ يسمح بإعادة بعض المهاجرين إلى فرنسا، يؤكد قادة الأمن الفرنسي أن الشبكات ما زالت تتقدم بخطوة. وقال كزافييه ديلريو، رئيس وحدة مكافحة التهريب: "طالما أن العملية مربحة، فسيواصلون العمل".
وفي نهاية التحقيق، واجه فريق BBC أحد وسطاء العصابة في برمنغهام، لكنه فرّ هاربًا عند مواجهته بالكاميرا. كما تواصل المراسل مع عبدالله هاتفيًا، فنفى التهمة، ثم عرض المال، قبل أن يغلق الخط.
ورغم توقيف شخص واحد على صلة بحادثة سارة، لم يُلقَ القبض على قادة الشبكة حتى الآن. ويكشف هذا التحقيق مدى تعقيد شبكات التهريب في شمال فرنسا، والتحديات التي تواجه بريطانيا في تنفيذ وعودها بـ"تحطيم العصابات".