من الفنادق إلى الثكنات العسكرية… هل أصبحت أزمة اللاجئين عبئًا أم فرصة ضائعة لبريطانيا؟
بقلم المستشار القانوني علي القدومي
في مدن بريطانيا الصغيرة كما في ضواحي لندن المزدحمة، لم يعد مشهد الحافلات التي تقلّ طالبي اللجوء إلى الفنادق أمرًا نادرًا.
تجدهم في أروقة الفنادق القديمة التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، شبابًا يحملون شهادات جامعية، وآباء وأمهات فقدوا كل شيء بحثًا عن الأمان.
ورغم قسوة رحلتهم، لم يتوقع أحد منهم أن تتحول “البلاد التي وعدتهم بالأمل” إلى انتظار طويل بلا نهاية، يعيشون فيه بين جدران غرف ضيقة، لا يُسمح لهم بالعمل ولا ببناء حياة جديدة.
وفقًا للأرقام الأخيرة، يعيش عشرات الآلاف من طالبي اللجوء في أكثر من 400 فندق بأنحاء المملكة المتحدة، بتكلفة تقدّرها التقارير الحكومية بما يتجاوز ملياري جنيه إسترليني سنويًا.
تكلفة يومية تُثقل كاهل الخزانة البريطانية وتُثير غضب دافعي الضرائب، فيما يزداد الجدل السياسي حول ما إذا كانت بريطانيا ما تزال قادرة على استقبال اللاجئين أم لا.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هو: هل المشكلة في اللاجئين أنفسهم؟ أم في السياسة التي تجعل منهم عبئًا رغم قدرتهم على أن يكونوا إضافة حقيقية؟
الفنادق… من مكان مؤقت إلى مأزق دائم
حين بدأت الحكومة باستخدام الفنادق لإيواء اللاجئين، كان الهدف مؤقتًا لحين البت في طلباتهم. لكن التأخيرات الإدارية، ونقص الموظفين في مصلحة الهجرة، جعلت هذا “المؤقت” يمتد لشهور وسنوات.
الفنادق امتلأت، والاحتجاجات تصاعدت، وصار السياسيون يبحثون عن حلول عاجلة تُرضي الرأي العام.
أحد المقترحات كان نقل اللاجئين إلى ثكنات عسكرية أو بواخر راسية على السواحل.
لكن هذه الفكرة واجهت رفضًا واسعًا من المنظمات الحقوقية، التي اعتبرت أن تحويل اللاجئين إلى “أرقام” في ثكنة معزولة يُفقد بريطانيا قيمها الإنسانية التي طالما تباهت بها أمام العالم.
تكلفة لا تحتملها الخزانة… وسياسة تستهلك نفسها
حين تُنفق دولة متقدمة كالمملكة المتحدة مليارات الجنيهات سنويًا فقط لإبقاء الناس في حالة انتظار، فذلك ليس عبئًا ماليًا فقط، بل فشل إداري وأخلاقي أيضًا.
لو سُمح لهؤلاء بالعمل بعد فترة قصيرة من تقديم طلباتهم، لكانت القصة مختلفة تمامًا.
بدلًا من أن يدفع المواطن البريطاني ثمن إقامتهم في الفنادق، كان يمكن أن يسهموا هم أنفسهم في دفع الضرائب وتمويل الاقتصاد.
في المقابل، تمنعهم القوانين الحالية من العمل، بحجة أن طلباتهم لم تُبت بعد، وكأن الانتظار مبررٌ لإهدار الطاقات البشرية وتعطيلها.
هذا المنع لا يُكلف الحكومة فقط، بل يسحق معنويات هؤلاء اللاجئين، الذين يشعرون بأنهم عبء على الدولة رغم رغبتهم في الاعتماد على أنفسهم.
وجوه خلف الأرقام: وراء كل رقم في تقارير الحكومة، هناك قصة إنسان.
هناك الطبيب السوري الذي ينتظر منذ عامين تصريح الإقامة، رغم أن هيئة الصحة البريطانية (NHS) تعاني من نقص شديد في الكوادر.
وهناك الشاب السوداني الذي يحمل شهادة في الهندسة لكنه يقضي أيامه بين جدران فندق لا يُسمح له بمغادرته إلا ساعات محدودة.
وهناك الأم الأوكرانية التي تحلم بأن ترى أبناءها في مدارس مستقرة، لا بين انتظارٍ في غرفة مزدحمة وقلقٍ من قرار ترحيل مفاجئ.
هؤلاء ليسوا عبئًا على بريطانيا، بل فرصة ضائعة لبناء مجتمع أكثر تنوعًا وقدرة على العطاء.
لو أُعطوا الفرصة، لكانوا جزءًا من القصة البريطانية ذاتها — قصة إعادة البناء بعد الحرب، قصة العمل والنهضة، قصة العدالة والفرص المتكافئة التي لطالما ميزت هذه البلاد.
من العبء إلى الاستثمار الإنساني
إن السماح لطالبي اللجوء بالعمل ليس فقط قرارًا اقتصاديًا ذكيًا، بل خطوة إنسانية تعيد التوازن بين الكرامة والمسؤولية.
فبدل أن تواصل الحكومة دفع المليارات في الإيواء، يمكنها أن تستثمر في تمكين اللاجئين من الاعتماد على أنفسهم، وأن تخلق نظامًا يُسرّع البت في الطلبات ويحول الانتظار الطويل إلى عمل منتج.
في زمن تتراجع فيه الثقة بين الشعوب والحكومات، يمكن لبريطانيا أن تثبت أنها ما زالت وفية لقيمها القديمة — قيم العدالة والحرية واحترام الإنسان.
لن يكون ذلك عبر نقل اللاجئين إلى الثكنات، بل عبر إدماجهم في سوق العمل والمجتمع، ليصبحوا شركاء لا متلقين، ومواطنين مساهمين لا ضيوفًا مؤقتين.
اللاجئون ليسوا خطرًا يهدد استقرار بريطانيا، بل مرآة لقيمها الحقيقية. فإن اختارت الدولة أن تراهم كعبء، فستدفع ثمن الخوف والانعزال. وإن اختارت أن تراهم كفرصة، فستكسب قلوبًا وعقولًا جديدة تؤمن ببريطانيا وتعمل من أجلها.
الإنسان حين يجد الأمان والعمل، يُعيد بناء نفسه ويُسهم في بناء المجتمع من حوله.
وفي نهاية المطاف، الأمم لا تُقاس بعدد الجدران التي تبنيها، بل بعدد الأبواب التي تفتحها أمام من يحتاجون إليها