تحولت ظاهرة اليمين المتطرف والخطاب الشعبوي في بريطانيا من حالة معزولة تقتصر على أفراد على هامش الحياة السياسية، إلى ظاهرة خطيرة وملحوظة وتمثلها أحزاب سياسية تعطيها استطلاعات الرأي أفضلية في الفوز إذا ما أجريت الانتخابات الآن، ولم يعد التعبير عنها يجري عبر خطابات شعبوية لسياسيين مغمورين أو معزولين، بل بات يقترب هؤلاء شيئا فشيئا من أبواب البرلمان، وبالتالي من تشكيل الحكومة المقبلة.
اليمين الذي يستهدف من خلال تحليل خطاباته الأقليات والمهاجرين، لديه مشكلة واضحة مع التعددية الثقافية والدينية والتي هي ركيزة من ركائز المجتمع البريطاني الذي نحن جزء منه كجالية عربية ومسلمة في بريطانيا، ويتعايش فيه العديد من الأقليات والمجتمعات والثقافات والألوان والأديان والأعراق، ويجتهد قادة اليمين المتطرف في مهاجمة المهاجرين واللاجئين وتحميلهم تبعات الاخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي الحالة البريطانية يمثل اليمين المتطرف" حزب الإصلاح" بقيادة اليميني الشعبوي نايجلفراج عراب إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وينظر اليمينيون الشعبويون للهجرة والتعدد الثقافي كعبء وليس ميزة، ويعتمدون لون البشرة وفرنجية الاسم في تعريفهم للمواطنة، وينظرون لكل من ينحدر من أًصول أخرى بأنه مشكوك في مواطنته حتي يثبت العكس، ورغم وجود بعض أبناء الأقليات في عضويته وربما قيادته، إلا أن هؤلاء أقليات مزيفة، تحمل أفكار الحزب العنصرية وتزايد عليه، وبالمقابل تستعملها تلك الأحزاب في درء تهمة العنصرية عنها.
“اليمين المتطرف لديه مشكلة واضحة مع التعددية الثقافية والدينية، وهي ركيزة من ركائز المجتمع البريطاني الذي نحن جزء منه كجالية عربية ومسلمة”
ولعل مشاركة نحو 110 آلاف شخص في مسيرة بوسط لندن منتصف سبتمبر الماضي نظمها الناشط اليميني المتطرف المناهض للهجرة تومي روبنسون أمر يجعل الأقليات كلها والعرب والمسلمين خصوصا يقلقون، فهي واحدة من أكبر مظاهرات اليمين في التاريخ الحديث للمملكة المتحدة، كما أنها رفعت شعارات معادية ليس فقط للمهاجرين بل للإسلام وللعرب ولقضية فلسطين.
وتستدعي هذه التحولات في المجتمع والحياة السياسة البريطانية وقفة من البريطانيين العرب، وعموم الأقليات، وبحث لهذه الظاهرة، ورسم خطوط عريضة وخطط مفصلة لكيفية التصدي لها وهو الأمر الذي قام به عدد من الخبراء والأكاديميين والإعلاميين في حوار مفتوح نظمته " منصة عرب لندن" ومؤتمر الجالية العربية في بريطانيا الأسبوع الماضي، ما أظهر وعيا مبكرا وإدراكا لهذه الظاهرة، وكذلك ثقة لدى البريطانيين العرب بقدرتهم على التصدي لها.
وعكست النقاشات التي دارت في الندوة وعيا سياسا بحجم تلك الظاهرة، وأكدت على تحول العرب من الشعور بأنهم ضيوف على البلاد إلى شعور راسخ بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى، وبأن استهدافهم أو استهداف أي أقلية بخطابات شعبوية هو سلوك لا يمكن أن يمر، وأن البريطانيين العرب وخاصة الجيل الجديد قد غادروا مساحة وعقلية الضيف الزائر وباتوا يتصرفون كمواطنين أصلاء وليس كضيوف طارئين، وبات العربي البريطاني الذي يعيش في المملكة المتحدة يعتبرها بلده ويرى فيها مستقبل أبنائه، مندمجا دون انصهار، ومنتميا دونما نسيان لجذوره الثقافية والدينية والهوياتية والوطنية، إنه مواطن وليس مقيم، وباق ولم يعد يشغله الرحيل.
وعلى خلاف جيل الهجرة واللجوء الأولين، ينظر الجيل الجديد من البريطانيين العرب لبريطانيا كبلدهم، يشترون فيه البيوت ويتزوجون ويفكرون في نظام التقاعد، ويأملون يتحسين الخدمات الصحية، يشاركون في الانتخابات تصويتا وترشيحا، وينخرط كثير منهم في الأحزاب السياسية، صحيح أن دخولهم الحياة السياسية تأخر، لكن كما يقال أن تأت متأخرا خير من ألا تأت.
يقلق البريطانيين العرب صعود اليمين لكنه لا يرعبهم ولا يخيفهم، وإنما يشاركون غيرهم من المواطنين الإنجليز القلق منه على بلادهم والتي هي في هده الحالة بريطانيا، إذ تعطي استطلاعات الرأي الأخيرة لحزب "الإصلاح" اليميني الذي يقوده نايجل فاراج أغلبية ساحقة بحوالي 375 مقعدا، ووفقا لاستطلاع " إبسوس في سبتمبر الماضي فإن الحزب اليميني المتطرف من احتل المرتبة الأولى في الاستطلاع ب 34% مقابل 22% لحزب العمال 14%للمحافظين . ووفق استطلاعٍ حديث كذلك لـ"يوغوف" – وهي أهم مؤسسة لتنظيم استطلاعات الرأي- قد يحصد "الإصلاح" نحو م311 مقعدا من مقاعد البرلمان.
“ما لا يقل عن 22 مسجداً في أنحاء بريطانيا تعرّضت لهجمات أو استهداف بدافع الكراهية خلال الأشهر الثلاثة الماضية”
وإضافة لهذه الاستطلاعات الصادمة، فقد كشفت منظمة "تيل ماما" Tell MAMA، المعنية برصد جرائم الكراهية ضد المسلمين في المملكة المتحدة أن ما لا يقل عن 22 مسجدًا في أنحاء البلاد تعرضت لهجمات أو استهداف بدافع الكراهية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، منذ يونيو/حزيران 2025، واصفة هذه الأرقام بأنها تمثل واحدة من أعلى معدلات استهداف المساجد منذ بدء عمل "تيل ماما" عام 2011.
ويحدثني آباء عن خوفهم على أبنائهم من التعرض للاساءات العنصرية اللفظية أو الجسدية وكذلك من تمييز في فرص العمل، ولكن السؤال الأهم الذي طرحته الندوة كان " ما العمل ؟"والنقاشات التي صاحبتها يمكن أن يستشف منها الإجابة لمواجهة تلك الآفة، أهم تلك التوصيات: عدم الخوف وإنما مواجهة الظاهرة والتصدي لها عبر الانطلاق من قناعة أننا كعرب مواطنون من الدرجة الأولى، والانتقال من القلق إلى المبادرة عبر تعزيز المشاركة السياسية، وبناء خطاب إعلامي مضاد يواجه العنصرية بالأرقام والقصص الإنسانية، كما أوصى المشاركون بإطلاق برامج توعوية في المساجد والمدارس لترسيخ مفهوم المواطنة دون المساس بالهوية الثقافية، وتوثيق الاعتداءات لتقديمها إلى الجهات القانونية والحقوقية، والتمكين السياسي عبر حث الشباب وتشجيعهم على الانخراط في الأحزاب السياسية، وبناء التحالفات، والاندماج الإيجابي، وتكثيف النشاط والحضور الإعلامي للعرب البريطانيين، والحوار مع كل أطياف المجتمع البريطاني بما فيه ممثليتلك التيارات اليمينية، وعدم تضخيم الخطر أو بث الرعب.