عرب لندن
أمرت هيئة تفتيش مياه الشرب في إنجلترا وويلز (DWI) شركات المياه باتخاذ إجراءات عاجلة بعد اكتشاف مستويات مرتفعة من "المواد الكيميائية الدائمة" (PFAS) في مصادر المياه غير المعالجة، محذّرة من أن هذه المستويات قد تُشكّل خطرًا على الصحة العامة.
وأظهر تحليل لبيانات الهيئة، أجرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC وشركة Watershed Investigations، أن الملوثات رُصدت في مئات من محطات المعالجة والخزانات والآبار التي تزود أكثر من ستة ملايين شخص بالمياه، وسط توقعات بأن العدد الحقيقي للأشخاص المتأثرين أعلى من ذلك بسبب نقص البيانات السكانية لبعض المناطق.
وتُعد مركبات البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل (PFAS) مجموعة من المواد الكيميائية الصناعية التي تُستخدم لخصائصها المقاومة للماء والدهون، لكنها تبقى في البيئة لعقود ويمكن أن تتراكم في أجسام البشر. وقد ربطت دراساتٌ طبية بين التعرض لها والإصابة بالسرطان واضطرابات الهرمونات ومشكلات الخصوبة.
وتشمل الشركات التي طُلب منها اتخاذ إجراءات Anglian Water، التي تخدم 4.2 مليون شخص، وWessex Water التي تخدم 1.2 مليون، إضافة إلى Severn Trent Water وSouth Staffordshire Water وSouth West Water، التي تزود مئات الآلاف من العملاء. كما تواجه Affinity Water وUnited Utilities تحذيرات بشأن عدة محطات مياه ملوثة.
وتشير تقارير الهيئة إلى أن بعض المحطات تعاني من "عمليات معالجة غير كافية لإزالة مركبات PFAS"، فيما سُجلت في مواقع أخرى "مستويات مرتفعة قد تتجاوز حدود الأمان". ومنحت الهيئة الشركات مهلاً نهائية لتقليل المخاطر، من خلال تعزيز عمليات الترشيح أو خلط المياه الملوثة بمياه أنظف.
وتُعد المطارات والقواعد العسكرية ومصانع الكيماويات ومحطات الإطفاء ومعامل النسيج والطاقة ومكبات النفايات من أبرز مصادر التلوث بمركبات PFAS، بينما يمكن أن تساهم حمأة الصرف الصحي المنتشرة في الأراضي الزراعية والمبيدات الحشرية في زيادة مستويات هذه المواد. وقدّر تقرير صادر عن وكالة البيئة البريطانية وجود أكثر من 10 آلاف نقطة تلوث محتملة في مختلف أنحاء البلاد.
وتلقى Affinity Water، التي تزود مناطق في لندن والجنوب الشرقي، إشعارات رسمية تتعلق بوجود المادتين المحظورتين PFOS وPFOA في مواقع عدّة، بينها هيرتفوردشير وإسيكس. ومنحت الشركة مهلة حتى عام 2029 لتحسين أنظمة المعالجة أو خلط المياه الملوثة بمصادر أنظف.
كما رُصد تلوث مشابه في منشآت South Staffordshire Water قرب مطار دوكسفورد، وSevern Trent Water في كروبستون، وSouth West Water في جزر سيلي، وUnited Utilities في ساوثبورت وويكنهال.
ومنذ عام 2007، خُفّضت الحدود المسموح بها لمركبات PFAS في مياه الشرب البريطانية بشكل كبير، من 10,000 نانوغرام/لتر إلى 100 نانوغرام/لتر حاليًا، نتيجة أدلة علمية متزايدة حول مخاطرها الصحية.
وقال البروفيسور هانز بيتر آرب، الخبير في مركبات PFAS، إن مشكلة التلوث في المملكة المتحدة "كبيرة ولكنها ليست فريدة"، مشيرًا إلى أن "هذه المواد تسربت إلى شبكات المياه حول العالم منذ أكثر من نصف قرن". وأضاف أن المعايير البريطانية "ما زالت غير وقائية بما يكفي" مقارنة بدول مثل الدنمارك، التي تفرض حداً أقصى قدره 2 نانوغرام/لتر فقط.
وأوضح آرب أن معالجة التلوث تتطلب استثمارات ضخمة في تقنيات الترشيح النانوي وراتنجات التبادل الأيوني، إلى جانب تنظيف التربة والمياه الجوفية ومنع الانبعاثات المستقبلية. وقدّرت دراسات أوروبية تكلفة إزالة هذه المواد بنحو 1.6 تريليون جنيه إسترليني على مدى عشرين عاماً.
وقال متحدث باسم هيئة المياه في المملكة المتحدة إن التلوث بمركبات PFAS "تحدٍ عالمي هائل"، داعيًا إلى "خطة وطنية لإزالتها من البيئة"، ومشدّدًا على ضرورة تحميل شركات الكيماويات مسؤولية التكاليف.
وأضاف المتحدث: "شركات المياه ملتزمة بمعايير حكومية صارمة، بما في ذلك تلك الخاصة بمركبات PFAS، لضمان ثقة المواطنين بجودة مياه الصنبور في جميع الأوقات".
وفي حين يدرس الاتحاد الأوروبي فرض قيود واسعة على آلاف مركبات PFAS، لا تعتزم الحكومة البريطانية اتخاذ نهج مماثل في الوقت الراهن.
وأكد متحدث باسم الحكومة أن مياه الشرب في بريطانيا "من بين الأفضل في العالم"، مشيرًا إلى "عدم وجود أدلة على تجاوز مستويات PFAS الحدود الآمنة"، مضيفًا أن القطاع استثمر ملياري جنيه إسترليني لتحسين جودة المياه ومعالجة الملوثات واستبدال أنابيب الرصاص القديمة.
وقالت الدكتورة شوبي شارما من منظمة Chem Trust إن مياه الشرب تمثل "أحد المصادر الرئيسية للتعرض لمركبات PFAS"، مؤكدة أن "المعايير الحالية لا توفر الحماية الكافية"، ودعت الحكومة إلى تبنّي معايير أوروبية صارمة.
وأضافت أن إزالة هذه المواد "مكلفة للغاية"، مطالبة بتطبيق مبدأ "الملوِّث يدفع" حتى تتحمل شركات الكيماويات تكاليف المعالجة، مؤكدة: "يجب إيقاف إنتاج واستخدام هذه المواد السامة إلى الأبد، لأن التركيز على إزالة التلوث وحده حلّ مؤقت وباهظ الثمن".