عرب لندن

علمت هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن وزيرة الداخلية البريطانية تستعد للإعلان خلال الأسابيع المقبلة عن حزمة إصلاحات جذرية في نظام الهجرة واللجوء، مستلهمة النموذج الدنماركي الذي يُعد أحد أكثر الأنظمة تشددًا في أوروبا.

وتبحث وزيرة الداخلية شبانة محمود إدخال تغييرات تقلل من الحوافز التي تدفع المهاجرين إلى القدوم للمملكة المتحدة، مع تعزيز قدرة الحكومة على ترحيل من لا يمتلكون حق الإقامة. وتشير المعلومات إلى أن فريقًا من كبار مسؤولي الوزارة زار كوبنهاغن الشهر الماضي لدراسة التجربة الدنماركية ميدانيًا.

ويركز اهتمام وزارة الداخلية البريطانية على السياسات الدنماركية التي تفرض إقامة مؤقتة على معظم اللاجئين، وتتيح إعادتهم إلى بلدانهم بمجرد اعتبارها آمنة. ولا تمنح الدنمارك حماية دائمة إلا للاجئين الذين يواجهون تهديدات شخصية مباشرة من أنظمتهم.

كما يدرس الجانب البريطاني القيود الصارمة التي تطبقها الدنمارك على لمّ شمل الأسر. إذ تشترط كوبنهاغن أن يكون اللاجئ وشريكه المتقدم بطلب الانضمام فوق 24 عامًا، وألا يكون الشريك المقيم قد استفاد من إعانات حكومية لمدة ثلاث سنوات، إضافة إلى تقديم ضمان مالي واجتياز اختبار اللغة الدنماركية. ويُحرم اللاجئون المقيمون في مناطق تُعرّفها الحكومة على أنها "مجتمعات موازية" من حق لمّ الشمل نهائيًا. وتضم هذه المناطق أكثر من 50% من السكان من خلفيات تعتبرها "غير غربية"، ما أثار انتقادات واسعة واعتبره البعض تمييزًا قائمًا على الأصل العرقي.

وفي سبتمبر الماضي، علقت وزارة الداخلية البريطانية طلبات لمّ الشمل الجديدة ريثما يتم وضع قواعد بديلة. وكانت اللوائح السابقة تسمح بدخول الأزواج والشركاء والمعالين تحت سن 18 عامًا دون الحاجة إلى استيفاء شروط الدخل أو اختبارات اللغة المطبقة على فئات أخرى من المهاجرين.

من جانبه، أكد وزير الهجرة والتكامل الدنماركي راسموس ستوكلوند، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أن بلاده شددت قوانين الهجرة "على مختلف المستويات"، بدءًا من تسهيل ترحيل المدانين بجرائم، مرورًا بتقييد لمّ الشمل، ووصولًا إلى برامج تشجع العودة الطوعية وتوفر حوافز مالية تصل إلى ما يعادل 24 ألف جنيه إسترليني. ورغم عدم وجود مؤشرات على نية بريطانيا تبني هذه الخطوة تحديدًا، إلا أنها قيد الدراسة.

وأوضح ستوكلوند أن الهدف من هذه السياسات هو حماية النسيج المجتمعي في الدنمارك، الدولة الأصغر مساحة وسكانًا مقارنة بالمملكة المتحدة، مضيفًا: "نتوقع من القادمين إلى هنا المشاركة والمساهمة بشكل إيجابي، وإذا لم يفعلوا فهم غير مرحب بهم".

كما تشهد الدنمارك نقاشات مشابهة لتلك الدائرة في المملكة المتحدة بشأن القيود التي تفرضها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ترحيل المجرمين الأجانب. وقد أطلقت الحكومة الدنماركية مراجعة لبحث تعديل هذه القيود، مع تعاون بين لندن وكوبنهاغن في هذا الملف.

وتواجه إصلاحات شبانة محمود انقسامات داخل حزب العمال. إذ يعتبر نواب يساريون أن استلهام النهج الدنماركي توجه "متشدد" يعكس بعض خطابات اليمين المتطرف. النائب السابق كلايف لويس وصف النموذج الدنماركي بأنه "نهج متشدد" تبنى كثيرًا من حجج اليمين، محذرًا من خسارة الحزب أصوات التيار التقدمي.

كما وصفت نادية ويتوم، نائبة نوتنغهام إيست، بعض السياسات الدنماركية المرتبطة بـ"المجتمعات الموازية" بأنها "عنصرية بلا شك"، مؤكدة أن الاتجاه نحو هذا النموذج سيكون "طريقًا مسدودًا أخلاقيًا وسياسيًا".

وفي المقابل، يرى نواب آخرون أن الاقتراب من السياسات الدنماركية بات ضروريًا لاستعادة ثقة الناخبين. غاريث سنيل، النائب عن ستوك أون ترينت، أشار إلى أن ناخبيه يعتبرون النظام الحالي "غير عادل"، وأن دعم عودة اللاجئين إلى أوطانهم عندما تصبح آمنة "نهج منطقي". بينما حذرت جو وايت، التي تقود مجموعة من نواب "الجدار الأحمر"، من ثمن انتخابي كبير سيدفعه الحزب إذا لم يتبنَّ سياسات أكثر صرامة، منها مطالبة بعض طالبي اللجوء بالمساهمة في تكاليف إقامتهم.

هذا وتتابع رئاسة الوزراء البريطانية عن كثب تجربة الدنمارك في هزيمة حزب الشعب اليميني الشعبوي والعودة إلى السلطة عام 2015، وهو وضع يرى كثيرون أنه يشبه التحديات الحالية التي يواجهها حزب العمال مع صعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة".

وقالت إيدا أوكين، المتحدثة باسم الديمقراطيين الاجتماعيين لشؤون البيئة، إن النهج الأكثر صرامة في الهجرة منح حزبها القدرة على تبني سياسات تقدمية في التعليم والضمان الاجتماعي والتحول البيئي: "كان ذلك بمثابة ترخيص لتنفيذ ما نرغب في تحقيقه".

وتفيد معلومات BBC بأن محمود حريصة على لقاء نظيرها الدنماركي قريبًا، وسط توجه واضح داخل الحكومة للاستفادة من التجربة الدنماركية سياسيًا وعمليًا، رغم الانقسامات داخل حزب العمال.

ومن المتوقع أن تكشف وزيرة الداخلية عن تفاصيل القواعد الجديدة خلال الشهر الجاري، في خطوة ستحدد ملامح سياسة الهجرة البريطانية خلال السنوات المقبلة، وسط مناخ سياسي محتدم وضغوط انتخابية متصاعدة.

السابق رفع متطلبات التأشيرات يضع عشرات من موظفي النقل في لندن على حافة فقدان حق الإقامة
التالي استطلاع: تراجع فخر البريطانيين ببلدهم بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي