عرب لندن

في أول خطاب لها منذ توليها المنصب، حذّرت رئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) بليز مترويلي من تنامي التهديدات الروسية، مؤكدة أن المملكة المتحدة دخلت "عصرًا جديدًا من عدم اليقين"، حيث لم تعد ساحات الصراع محصورة في ميادين القتال التقليدية، بل أصبحت "الجبهة في كل مكان".

وبحسب ما أفادت صحيفة "الغارديان" The Guardian، من المتوقع أن تؤكد مترويلي، في خطابها الذي سيُنشر كاملًا بعد ظهر يوم الاثنين، أن مؤامرات الاغتيال وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التلاعب بالمعلومات التي تنفذها روسيا ودول معادية أخرى، تمثل نمطًا متكاملًا من المواجهة المستمرة، مشددة على أن "تصدير الفوضى ليس خللًا عارضًا في النهج الروسي، بل سمة جوهرية فيه".

وتضع مترويلي روسيا في صدارة التهديدات التي تواجه المملكة المتحدة، واصفةً عقلية الكرملين بأنها "عدوانية وتوسعية ومراجِعة للتاريخ"، وهي العقلية التي دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى غزو أوكرانيا وتوسيع نطاق عملياته التخريبية والاستخباراتية في أنحاء أوروبا. وترى أن هذا النهج مرشح للاستمرار "إلى أن يُجبر بوتين على إعادة حساباته".

وتتزامن هذه التحذيرات مع تصعيد مماثل في الخطاب العسكري البريطاني، إذ من المتوقع أن يطلق رئيس أركان الدفاع، قائد القوات الجوية المارشال ريتشارد نايتون، تحذيرًا لافتًا في خطاب منفصل، يؤكد فيه أن "الوضع أخطر مما شهدته طوال مسيرتي المهنية"، داعيًا الدولة والمجتمع إلى "تكثيف الجهود" لمواجهة التهديدات المتزايدة، ولا سيما القادمة من روسيا.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يتوجه فيه رئيس الوزراء كير ستارمر إلى برلين للمشاركة في قمة طارئة مع قادة أوروبيين، بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، في مسعى أوروبي لطرح مسار بديل لخطة سلام في أوكرانيا، وسط ضبابية متزايدة في الموقف الأميركي.

وفي خطابها، تؤكد مترويلي أن دعم لندن لأوكرانيا "ثابت ولا لبس فيه"، قائلة: "لا ينبغي أن يساور بوتين أي شك. سنواصل الضغط الذي نمارسه نيابةً عن أوكرانيا". غير أن الواقع الدبلوماسي خلال الأسابيع الأخيرة أظهر تباينات في المواقف الغربية، بعد إشارات إلى انفتاح أميركي سابق على بعض المطالب الروسية.

وتستعرض رئيسة MI6 أمثلة ملموسة على طبيعة التهديد، من بينها محاولة اغتيال العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري عام 2018 باستخدام مادة سامة للأعصاب، وهي الحادثة التي أفضت إلى وفاة البريطانية دون ستورجيس. وقد خلص تحقيق عام نُشر هذا الشهر إلى أن الرئيس الروسي يتحمل "مسؤولية أخلاقية" عن الحادث.

كما تحذر من استخدام روسيا أدوات الذكاء الاصطناعي في حملات تضليل واسعة النطاق، تشمل إنتاج مقاطع فيديو مفبركة ونشر معلومات كاذبة تهدف إلى تقويض الدعم الشعبي لأوكرانيا أو إثارة الشائعات داخل المجتمع البريطاني، بما في ذلك ادعاءات طالت الحالة الصحية لأميرة ويلز، وفق ما أشارت إليه وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر في خطاب سابق.

وفي السياق نفسه، شهدت المملكة المتحدة خلال الأشهر الماضية إدانة ستة مواطنين بلغاريين يقيمون على أراضيها بتهم تتعلق بالتجسس لصالح روسيا، شملت مراقبة صحفي استقصائي بارز كشف ملفات حساسة مرتبطة بالكرملين، ومحاولات للحصول على بيانات اتصال لجنود أوكرانيين يُعتقد أنهم يتلقون تدريبًا في ألمانيا.

ورغم تركيز الخطاب على روسيا، لم يرد ذكر الصين إلا بصورة محدودة، مقتصرًا على الإشارة إلى فرض عقوبات على شركتين صينيتين بتهمة تنفيذ عمليات قرصنة عشوائية استهدفت المملكة المتحدة وحلفاءها. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الحكومة البريطانية تدرس السماح ببناء سفارة صينية ضخمة في لندن، وسط مساعٍ دبلوماسية متوازنة يقودها رئيس الوزراء.

ومن المنتظر أن يؤكد نايتون، في محاضرته السنوية الأولى بمعهد الخدمات الملكية المتحدة، أن الحرب في أوكرانيا كشفت استعداد موسكو لاستهداف الدول المجاورة وسكانها المدنيين، محذرًا من أن الهدف النهائي للكرملين هو "تحدي حلف شمال الأطلسي وتقييده وتقسيمه، وصولًا إلى إضعافه".

وتتولى مترويلي قيادة جهاز الاستخبارات الخارجية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي خلفًا لريتشارد مور، بعد مسيرة مهنية طويلة شغلت خلالها منصب رئيسة قسم التكنولوجيا والابتكار في الجهاز، وعملت في ملفات حساسة في الشرق الأوسط وأوروبا. ومن المتوقع أن تضع بصمتها على الجهاز عبر تعزيز الدمج بين العمل الاستخباراتي التقليدي والتكنولوجيا المتقدمة.

وفي هذا الإطار، تشدد في خطابها على أن إتقان التكنولوجيا يجب أن يصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية ضباط الاستخبارات، مؤكدة أن "الأمن في القرن الحادي والعشرين لا يتحدد فقط بمن يمتلك أقوى التقنيات، بل بمن يستخدمها بحكمة ومسؤولية"، محذّرة من أن مستقبل الأمن والازدهار والإنسانية بات رهين هذه الخيارات.

السابق آلاف الغرامات قد تُلغى بعد عطل فني في كاميرات مراقبة السرعة
التالي دعوى تاريخية ضد BBC: ترامب يطالب بـ10 مليارات دولار بتهمة تحريف خطابه