عرب لندن

انتقد نواب بريطانيون بشدة قرار وزارة العدل استئجار سجن دارتمور بعقد يمتد عشر سنوات، رغم علم مسبق بوجود مستويات مرتفعة من غاز الرادون السام، في صفقة يُتوقع أن تُكلف دافعي الضرائب أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني.

وقالت لجنة الحسابات العامة في البرلمان البريطاني إن العقد الذي وُقّع عام 2022 مع دوقية كورنوال، المالكة للسجن، أُبرم في “حالة من الذعر” من قبل كبار موظفي الخدمة المدنية، بدافع الحاجة الملحّة لتوفير أماكن إضافية في السجون.

وبحسب ما أوردته صحيفة "الغارديان" The Guardian، فإن سجن دارتمور، المصنّف ضمن الفئة "ج" والذي كان يضم عدداً كبيراً من مرتكبي الجرائم الجنسية، أُغلق نهائياً عام 2024 بعد تسجيل مستويات من غاز الرادون بلغت في بعض مناطقه نحو عشرة أضعاف الحد الأقصى الموصى به صحياً. وقد أقرت الحكومة البريطانية لاحقاً بأنها كانت على علم بوجود "مستويات مرتفعة" من هذا الغاز داخل السجن منذ عام 2020.

ويُعد الرادون غازاً مشعاً عديم اللون والرائحة، وتشير بيانات وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة إلى أنه يتسبب في نحو 1100 حالة وفاة سنوياً بسبب سرطان الرئة.

وذكر تقرير اللجنة أن مسؤولي هيئة السجون والمراقبة فشلوا في التوصل إلى اتفاق مُرضٍ لإدارة المخاطر الصحية، ووقعوا عقد الإيجار قبل استكمال اختبارات إضافية لقياس مستويات الرادون.

وبموجب شروط العقد، لا تستطيع وزارة العدل إنهاء عقد الإيجار قبل ديسمبر 2033 على أقل تقدير. وتبلغ الكلفة السنوية الحالية للسجن غير القابل للاستخدام نحو 4 ملايين جنيه إسترليني، تشمل الإيجار والضرائب العقارية وتكاليف الحراسة والأمن.

وأضاف التقرير أن الحكومة ستتكبد أيضاً كلفة إضافية تُقدّر بنحو 68 مليون جنيه إسترليني على شكل استثمارات وتحسينات للبنية التحتية في موقع دارتمور خلال فترة الإيجار.

وخلال جلسات استماع برلمانية عُقدت العام الماضي، قال جيفري كليفتون براون، رئيس لجنة الحسابات العامة، إن تعامل وزارة العدل مع ملف سجن دارتمور كان “عاراً مطلقاً على جميع المستويات”.

وأضاف: “سُوِّق استئجار مبنى غير صالح للاستخدام، تعلم هيئة السجون منذ سنوات أنه يعاني من مستويات خطيرة من غاز الرادون، على أنه قرار منطقي تمليه الحاجة إلى أماكن احتجاز إضافية. لجنتنا ترفض هذا التبرير رفضاً قاطعاً”.

وأوضح أن قضية دارتمور تمثل مثالاً صارخاً على لجوء الوزارة إلى أي حل، مهما كانت مخاطره، تحت ضغط الوقت والخوف من نقص أماكن السجن، مطالباً الحكومة بتوضيح الدروس المستفادة من هذا “الفشل الكارثي”.

وجاء إغلاق السجن بعد سنوات من المراقبة ومحاولات خفض مستويات الرادون، التي بدأت في عام 2010. وعلى الرغم من ذلك، لم يتم نقل آخر السجناء – وعددهم نحو 682 – إضافة إلى 159 موظفاً، إلا في يوليو 2024.

وأُثيرت لاحقاً تساؤلات بشأن مدى إمكانية اتخاذ إجراءات مبكرة لتجنب تعريض السجناء والموظفين لمخاطر صحية محتملة.

وفي رد مكتوب على البرلمان في يوليو الماضي، أفادت وزارة العدل بأن “القراءات المرتفعة لغاز الرادون رُصدت لأول مرة عام 2020”، في حين ذكرت تقارير إعلامية، بينها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أن مستويات أعلى من الحد الموصى به سُجلت بالفعل منذ عام 2007.

وفي السياق ذاته، رفع أكثر من 500 سجين سابق وموظف في السجن دعاوى قضائية ضد الحكومة، مدعين أن صحتهم تعرضت للخطر نتيجة التعرض المطول للغاز المشع.

ويُذكر أن سجن دارتمور مملوك لدوقية كورنوال، وهي مؤسسة عقارية توفر دخلاً خاصاً للأمير ويليام، وتؤجر السجن لوزارة العدل.

ولا يزال التحقيق الذي أطلقته هيئة الصحة والسلامة البريطانية في عام 2023 بشأن مستويات الرادون في السجن مستمراً.

ورحب مارك فيرهيرست، الرئيس الوطني لرابطة موظفي السجون، بنتائج تقرير اللجنة، معتبراً أنه “من المشين أن هذا التقصير لم يُسفر عن أي عواقب تُذكر بحق صناع القرار رفيعي المستوى، رغم تعريضهم النزلاء والموظفين للخطر وإهدارهم ملايين الجنيهات من أموال دافعي الضرائب”.

وفي دفاعها عن القرار خلال جلسة برلمانية في أكتوبر الماضي، قالت جو فارار، السكرتيرة الدائمة لوزارة العدل، إن النظام السجني في ذلك الوقت كان على وشك نفاد الطاقة الاستيعابية، مضيفة أن سجن دارتمور وفر أكثر من 600 مكان، وأن قرار الإيجار اتُخذ “بناءً على المعلومات المتاحة آنذاك”.

من جهته، قال متحدث باسم وزارة العدل إن القرار اتُخذ عام 2022 في ظل أزمة حادة في نظام السجون، محذراً من أن انهيار القدرة الاستيعابية كان سيهدد بانهيار أوسع للقانون والنظام.

السابق إلغاء أول رحلة جوية 2026 لإعادة طالبي اللجوء إلى فرنسا ضمن برنامج "واحد يدخل، واحد يخرج"
التالي ستارمر يُعدّ مشروع قانون لمواءمة تشريعات بريطانيا مع قوانين الاتحاد الأوروبي