بقلم المستشار القانوني علي القدومي
شهدت الساحة السياسية البريطانية في الآونة الأخيرة ظاهرة لافتة تمثّلت في انشقاق عدد من أعضاء حزب المحافظين، بعضهم من نواب سابقين ووجوه سياسية معروفة، للانضمام إلى حزب الإصلاح (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج. هذا التحول لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل هو مؤشر واضح على أزمة عميقة تضرب بنية الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها حزب المحافظين.
أسباب الانشقاق: بين السخط والانتهازية
يرجع المنشقون أسباب مغادرتهم حزب المحافظين إلى عدة عوامل، أبرزها:
1. فقدان الهوية السياسية للمحافظين
يرى كثيرون أن الحزب فقد بوصلته الأيديولوجية، فلم يعد محافظاً بالمعنى التقليدي، ولا ليبرالياً اقتصادياً بشكل واضح، بل حزباً مرتبكاً يتنقل بين السياسات دون رؤية طويلة المدى.
2. الإخفاقات الحكومية المتراكمة
من أزمة كلفة المعيشة، إلى سوء إدارة ملف الهجرة، مروراً بتداعيات البريكست غير المحسومة، بات من الصعب على كثير من أعضاء الحزب الدفاع عن سجل حكومي مثقل بالإخفاقات.
3. شعبوية نايجل فاراج وجاذبيته الإعلامية
فاراج يقدم خطاباً مباشراً، بسيطاً، عالي النبرة، يخاطب غضب الشارع ومخاوفه، خاصة في قضايا الهجرة والهوية الوطنية، وهو ما جذب سياسيين يبحثون عن إعادة تموضع سريع قبل الانتخابات.
لكن، ورغم هذه المبررات، يبقى السؤال الجوهري:
هل هذا الانشقاق نابع من قناعة فكرية حقيقية، أم أنه قفز من سفينة تغرق إلى أخرى تبدو أكثر صخباً؟
نقد المنشقين: أين كانت هذه القناعات؟
من المشروع – بل من الضروري – توجيه نقد صريح لهؤلاء الذين قضوا سنوات داخل حزب المحافظين، دافعوا عن سياساته، وصوتوا مع حكوماته، ثم قرروا فجأة أن الحزب لم يعد يمثلهم.
• أين كانت هذه الاعتراضات حين كانوا في مواقع القرار؟
• كيف يمكن إقناع الناخب بأن التحول ليس مجرد محاولة للبقاء السياسي؟
السياسة ليست مجرد تبديل شعارات، بل التزام أخلاقي أمام الناخب. والانقلاب السريع على حزب آمنوا به – أو ادعوا الإيمان به – يثير شكوكا جدية حول صدقية الخطاب الجديد، ويعزز الانطباع بأن بعض السياسيين لا تحركهم المبادئ بقدر ما تحركهم استطلاعات الرأي.
مستقبل حزب المحافظين: إعادة بناء أم تراجع طويل؟
حزب المحافظين يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم.
إما أن:
• يعيد تعريف هويته،
• يجدد قيادته،
• ويقدم مشروعاً سياسياً واضحاً يعالج هموم الطبقة الوسطى والاقتصاد والخدمات،
أو أنه سيواجه مرحلة طويلة من التراجع، قد تخرجه من موقعه كأحد الحزبين الكبيرين المهيمنين على السياسة البريطانية.
الانشقاقات المتتالية، إن استمرت، قد تترك الحزب هشاً تنظيمياً ومنقسماً فكرياً، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب حزباً تاريخياً.
حزب العمال: المستفيد الهادئ
في المقابل، يقف حزب العمال في موقع المستفيد، لا لأنه يقدم مشروعاً ثورياً، بل لأنه يظهر – حتى الآن – كخيار أكثر استقراراً وانضباطاً.
خطاب كير ستارمر البراغماتي، وابتعاده عن الاستقطاب الحاد، يمنح الحزب فرصة حقيقية لقيادة الحكومة، خصوصاً في ظل تشتت اليمين بين المحافظين وحزب الإصلاح.
لكن هذا لا يعني أن العمال في مأمن؛ فالتوقعات العالية قد تتحول سريعاً إلى خيبة أمل إذا لم تُترجم إلى سياسات ملموسة.
حزب الإصلاح: صعود احتجاجي أم بديل حقيقي؟
أما حزب الإصلاح، فهو بلا شك القوة الأكثر إثارة للجدل.
نجاحه الحالي يعكس تصويتاً احتجاجياً أكثر منه اقتناعاً ببرنامج متكامل. الحزب يبرع في تشخيص الغضب، لكنه لم يقدّم بعد حلولاً عملية قابلة للتطبيق على مستوى الحكم.
السؤال هنا:
هل يستطيع حزب الإصلاح الانتقال من حزب ضغط وصوت احتجاجي، إلى حزب حكم مسؤول؟
التجربة وحدها ستجيب، لكن التاريخ السياسي البريطاني لا يرحم الأحزاب التي تعيش فقط على الغضب دون مؤسسات قوية وبرامج واضحة.
ما نشهده اليوم ليس مجرد انشقاق حزبي، بل إعادة تشكّل للمشهد السياسي البريطاني.
غير أن الناخب بات أكثر وعياً، وأقل تسامحاً مع التحولات الانتهازية.
الوفاء للمبادئ، حتى في زمن الخسارة، هو ما يصنع السياسي الحقيقي.
أما القفز بين الأحزاب عند أول عاصفة، فقد يمنح صاحبه لحظة ضوء… لكنه غالباً ما يفقده ثقة التاريخ والناس