من وحي تأملات الأخت أميرة عليان تبلو

بقلم رئيس جمعية المحامين العرب في لندن صباح المختار

لماذا نذكر آباءنا وأمهاتنا؟ فهم، وخصوصًا أمهاتنا، المدرسة التي تترك الأثر الكبير الذي لا يُمحى وإن طال الزمن. عطر كف والدي رحمه الله لا أزال أذكره، وأظن لو شممته الآن لعرفته وإن كنت مغمض العين. ودفاع أم صباح رحمها المولى عن أخي الأصغر، ولومها لي بأني المقصر، وخلف ظهري تلوم أخي بأنه المقصر وأنا الأكبر، هو من أول الدروس التي تعلمتها في التوفيق بين الناس وحل الخلاف، وهو أن تُري كل طرف تقصيره كي تخفف من غلواء الشعور بالمظلومية، وبالتالي يصبح أكثر قبولًا للصلح.

رحم الله جدتي أم أبي، وكان اسمها "نجمة"، حيث لا أذكر جدتي أم أمي إذ توفيت قبل ولادتي رحمها الله. جدتي نجمة كانت تحترم جدي ولا تسميه باسمه، بل تناديه "أبو فاضل"، وهو عمي الأكبر وابنها الأول. ولكنها كانت تشاكس جدي وتنتقده بحق وبغير حق، وكنت أعجب من ذلك. ولكن حينما يشيخ المرء يصبح أقل قدرة على التعامل الهادئ، ويصبح أكثر حدة وأضيق صدرًا، وهناك نعمة لا يدركها من كان وحيدًا، وهي أن هناك من يشاركه الحياة، والتي فيها الحلو والمر والأقل مرارة. جدتي أم فاضل وجدي رحمهما الله كانا يجيدان ما يبدو الخصام، ولكنه جزء من مشاركة كبار السن في الحياة، إضافة إلى العناية والرعاية والمودة.

جدتي امرأة من سامراء، وأهل بغداد المدينة يعتبرون غير أهل المدن بدوًا أو قرويين. جدتي بحكم الزمن الذي وُلدت فيه، وأظن نهاية القرن التاسع عشر (1890)، كانت دائمًا ترتدي الثياب السوداء وتلف رأسها "بالفوطة"، وأظن الآخرين يسمونها الحجاب، ثم تشد فوقها "الجرغد"، وهي قطعة قماش تلف حول الرأس، مصنوعة غالبًا من الحرير أو الساتان اللامع. وكنت أتصور أنها تتشبه بجدي الذي يرتدي الغترة وفوقها العقال، ولكني فهمت لاحقًا أن تلك هي ملابس النساء الكبيرات بالسن في وطني، حتى وإن كان أزواجهن "أفندية".

جدتي نجمة لم تذهب إلى المدرسة، فكانت لا تستطيع القراءة، ولكنها كانت نجمة بحق. تتابع الراديو عندما كنت طفلًا، وكانت تجبرني على الاستماع لمحاضرات الدكتور مصطفى جواد بعنوان "قل ولا تقل"، لأن المحاضرة تعلمني اللغة العربية السليمة، كما تقول. وكان لديها متحدثون مفضلون، وآخرون ترى أن الاستماع إليهم مضيعة للوقت. وكانت لها آراء سياسية وآراء في الحكام، وحينما يختلف معها أحد، فتعزيزًا لخبرتها السياسية تذكر الجميع أنها عاشت السنوات الأخيرة من حكم خليل باشا الوالي العثماني، ثم الاحتلال البريطاني لبغداد في 11/3/1917، وبذا فخبرتها السياسية تتجاوز تلك التي يدعيها من يخالفون رأيها.

وبعد أن كبرت وأصبحت أكثر قدرة على الفهم، قالت لي يومًا، وكنت وقتها أنتقد أبي في أمر لا أذكره، قالت رحمها الله: "ابني الحاجب ما يعلى على العين"، وسألتني هل تفهم ما أقول، قلت لا. وبمنتهى الحنية (وأنا حفيدها الأول): شوف ابني، الحاجب هو فعلًا فوق العين، أي الحاجب هو الأعلى، ولكن جزء من دوره هو حماية العين وليس التباهي، فعرق الجبين يأخذه الحاجب إلى جوانب العين كي لا يغرق العين. شوف ابني، هذا ينطبق على الناس وكيف يتعاملون مع غيرهم. أنت إذا صرت مهندسًا وعندك عمال، أنت أعلى منهم، ولكن لا تريهم أنت أعلى، هم يعلمون ذلك، ولكن إذا تتصرف معهم بطريقة صحيحة وبدون تكبر أو تعالٍ في قولك وفعلك، فإنهم بالإضافة إلى ذلك سيحبونك، ليس لأنك تعطيهم أجورهم فقط، ولكن لأنك لا تتعالى عليهم.

وبعد أن أكبرت أكثر وصرت أبًا، وأصبح ابني ابن حفيدها، قالت لي: "يمة هذا لبّ اللب"، وحينما كان يبكي وأريد أن أحمله فورًا، تنهرني وتقول: ابني "الضنة عزيز لكن التربية أعز"، خليه شوية يتعلم.

رحم الله أمهاتنا وآباءنا وإن علوا، ورحم كل من علمنا شيئًا.

السابق بعد كسر الجمود في 2024… الطريق إلى برلمان 2029 يبدأ الآن
التالي انشقاق المحافظين وصعود حزب الإصلاح: أزمة مبادئ أم حسابات مصلحة؟