عرب لندن
تُعدّ الإجراءات الأمنية المشددة جزءًا ثابتًا من أي زيارة يقوم بها رؤساء وزراء بريطانيا إلى الصين، في ظل ما يُشبه لعبة خفية من القط والفأر بين الجانبين، حيث يختبر كل طرف قدرات الآخر في مجالي الاستخبارات والأمن. ويُبدي فريق رئيس الوزراء كير ستارمر حذرًا متزايدًا من مخاطر التجسس، وهي مخاوف ليست جديدة في العلاقات البريطانية-الصينية.
وذكر موقع صحيفة "الغارديان" The Guardian في هذا السياق أن فريق كير ستارمر زُوِّد بهواتف محمولة مؤقتة وشرائح اتصال جديدة، إلى جانب استخدام عناوين بريد إلكتروني مؤقتة، في إطار إجراءات احترازية تهدف إلى منع اختراق الأجهزة أو تحميلها ببرامج تجسس قد تستهدف خوادم الحكومة البريطانية.
ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو مثيرة، فإنها تُعدّ ممارسة شائعة في عصر التجسس الرقمي وأمن المعلومات. إذ يعتمد مكتب رئيس الوزراء البريطاني استخدام الهواتف المؤقتة بشكل روتيني في بعض الرحلات الخارجية، مثل قمة مجموعة العشرين في البرازيل عام 2024 وجنوب أفريقيا عام 2025، دون تطبيقها في زيارات الدول الحليفة أو شركاء تحالف “العيون الخمس”.
وأصبحت هذه الاحتياطات إجراءً ثابتًا في الزيارات إلى الصين منذ أكثر من عقد، نظرًا لتوقعات المراقبة والتجسس التي تفرضها بكين. وعندما كانت تيريزا ماي رئيسة للوزراء، تلقت تحذيرًا قبل زيارتها للصين عام 2018 بضرورة ارتداء ملابسها تحت اللحاف، تفاديًا لاحتمال تصويرها بكاميرات تجسس خفية. وقد نُقلت هذه النصيحة حينها إلى جميع أفراد الوفد.
وتُولي الأجهزة الأمنية أهمية خاصة لمخاطر المراقبة داخل الفنادق التي يقيم فيها الوفد الرسمي أو رجال الأعمال والصحافيون. وقال مسؤول استخباراتي بريطاني رفيع سابق إن غرف الإقامة في مدن مثل شنتشن كانت تُخصص للأجانب من الغرب لتقليل الحاجة إلى نقل أجهزة تنصت، مضيفًا أن بعض أفراد الوفود كانوا يحاولون، بدافع الفضول، العثور على أجهزة تنصت مخفية داخل الغرف.
وخلال زيارة غوردون براون للصين عام 2008، تعرّض أحد مساعديه لعملية خداع بعد تعارفه على امرأة في ملهى ليلي بفندق في شنغهاي، ليكتشف في اليوم التالي فقدان هاتفه من نوع “بلاك بيري”. ورغم توجيه توبيخ له، نفى مكتب رئيس الوزراء آنذاك حدوث أي اختراق أمني.
وتعكس هذه الحادثة جزءًا من التوجيهات الأمنية القياسية المقدمة للوزراء ومرافقيهم. وقال مسؤول أمني رفيع إن من بين النصائح المتكررة تحذير الرجال من أن اهتمام امرأة شابة قد لا يكون بريئًا. وسبق أن أشار مايكل غوف، في مقال بصحيفة “ديلي ميل” Dialy Mail العام الماضي، إلى تلقيه تحذيرات مماثلة قبل رحلة وزارية عام 2010، مؤكدًا أن الهدف لم يكن نقاش الفلسفة الكونفوشيوسية.
وعندما زار ديفيد كاميرون بكين رئيسًا للوزراء في ديسمبر 2013، أصرّت السلطات الصينية على مرافقة الوفد بحارس شخصي طويل القامة يلازم رئيس الوزراء عن قرب. ورغم شيوع هذه الممارسة، فإنها وفّرت فرصة واضحة لجمع المعلومات، بحسب أحد مساعدي كاميرون السابقين، الذي روى أن الحارس ودّعهم في نهاية الرحلة متحدثًا الإنجليزية بطلاقة، بعد أن تظاهر بعدم فهمها طوال الزيارة.
وبحسب مسؤولين بريطانيين زاروا بكين، فإن القاعدة العامة هي اعتبار كل شيء خاضعًا للمراقبة، وأن المكان الوحيد لإجراء محادثات حساسة هو الخزانة الآمنة داخل السفارة البريطانية. وتنطبق الاحتياطات نفسها عند لقاء مسؤولين صينيين في القمم الدولية أو زيارة المقار الدبلوماسية الصينية في لندن.
وخلال تولي جيمس كليفرلي حقيبة الخارجية، رفض هو وفريقه إدخال هواتفهم المحمولة إلى القنصلية الصينية أثناء اجتماع في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وُضعت الأجهزة داخل حقيبة مبطنة بالرصاص بقيت بحوزة مسؤولين خارج المبنى.
ويؤدي هذا الحذر المشدد إلى انقطاع التواصل المعتاد مع الوزراء أثناء وجودهم في الصين، ما يحد من قدرتهم على التواصل مع عائلاتهم، ويُلزمهم بالاعتماد على السكرتير الخاص أو مساعد مقرّب. وقد يترتب على ذلك تبعات سياسية، كما حدث عام 2014 عندما كان فينس كيبل، وزير الأعمال آنذاك، في زيارة إلى الصين دون هاتفه المحمول، في وقت شهدت فيه بريطانيا محاولة انقلاب داخل حزب الديمقراطيين الليبراليين، فتعذّر التواصل معه حتى انهارت المحاولة سريعًا.
وقال كيبل لاحقًا إن ما حدث لم يكن مفاجئًا في ظل وجوده في الصين وانقطاع الاتصال، مؤكدًا أنه لم يكن جزءًا من تلك التحركات السياسية.