بقلم المستشار علي القدومي
عندما انفجرت قضية Jeffrey Epstein، لم تكن مجرد فضيحة جنائية. كانت لحظة صادمة كشفت كيف يمكن للمال والعلاقات والنفوذ أن تصنع طبقة شبه محصّنة.
لكن منذ سنوات، ظل سؤال يراودني كلما عادت القضية إلى الواجهة:
ماذا لو كان هذا الرجل مسلماً؟
لا أطرح السؤال لأغيّر حكم القانون، ولا لأخفف من بشاعة الجريمة. الاتجار الجنسي بالقاصرات جريمة بشعة في أي ثقافة وأي دين.
لكنني أطرحه لأنني أعرف — من متابعة الإعلام والسياسة في بريطانيا وأوروبا وأمريكا — أن الهوية أحياناً تغيّر طريقة قراءة القصة.
بين الفرد والجماعة
في حالة إبستين، ظل الخطاب العام واضحاً:
رجل منحرف استغل ثروته وعلاقاته.
فرد ارتكب جريمة.
لم يتحول اسمه إلى نقاش عن ديانة، ولا عن ثقافة، ولا عن أزمة قيم في مجتمعه الديني.
القضية وُضعت في إطارها: فساد، نفوذ، شبكة علاقات.
لكننا جميعاً رأينا كيف يمكن أن يتغير المشهد عندما يكون المتهم مسلماً.
فجأة لا يعود الحديث عن “فرد”، بل عن “مشكلة داخل مجتمع”.
لا يعود السؤال: لماذا فعل هذا الشخص؟
بل يصبح: ماذا يحدث داخل هذه الجالية؟
هذا التحول في زاوية النظر ليس وهماً. تقارير من جهات مثل Amnesty International و*Council on American-Islamic Relations* وثّقت تصاعد ربط الجرائم الفردية بالهوية الإسلامية في الخطاب العام، خصوصاً بعد أحداث أمنية كبرى.
الإعلام… عندما يصنع الإطار
الإعلام لا يكذب غالباً في الوقائع، لكنه يختار الإطار.
لو كان إبستين يحمل اسماً عربياً، أتساءل بصراحة:
هل كانت العناوين ستبقى نفسها؟
أم كنا سنقرأ تحليلات عن “قيم” و”ثقافة” و”اندماج”؟
في بريطانيا، مشاريع مثل Tell MAMA رصدت ارتفاعاً في جرائم الكراهية ضد المسلمين بعد قضايا إعلامية مثيرة للجدل.
وفي أوروبا القارية، تصاعد خطاب سياسي يعتبر الإسلام جزءاً من أزمة الهوية الوطنية.
الإعلام لا يعمل في فراغ. هو يتفاعل مع المزاج العام، ومع السياسة، ومع الخوف.
السياسة… واستثمار الخوف
خلال العقدين الماضيين، شهدنا في أمريكا وأوروبا وبريطانيا صعود تيارات شعبوية جعلت من الإسلام محوراً في خطابها.
بعد أحداث 11 سبتمبر، أُقر في الولايات المتحدة قانون USA PATRIOT Act الذي وسّع صلاحيات المراقبة بشكل غير مسبوق.
وفي أوروبا، شُددت قوانين الأمن والهجرة بعد أحداث عنف ارتبطت بمتطرفين.
الأحداث التي يكون مرتكبوها مسلمين غالباً ما تُنتج نقاشاً تشريعياً واسعاً.
لكن قضية إبستين، رغم ضخامتها، لم تتحول إلى أزمة هوية.
لم نرَ قوانين تُستهدف بها جماعة دينية.
لم يُطرح السؤال: ما الذي في ثقافة هذا المجتمع أدى إلى ذلك؟
وهنا أعود للسؤال الأول:
لو كان مسلماً، هل كان النقاش سيبقى محصوراً في فساد النخبة؟
أم كان سيتحول إلى منصة انتخابية؟
العدالة بين النص والمزاج العام
من حيث القانون، لا فرق بين مسلم وغير مسلم.
المحاكم في بريطانيا وأوروبا وأمريكا تحاكم الأفراد على أفعالهم، لا على عقائدهم.
لكن العدالة لا تعيش في قاعة المحكمة فقط.
هناك عدالة الرأي العام.
وهناك محكمة الإعلام.
وهنا أظن أن الهوية قد تغيّر الكثير.
ما الذي يكشفه هذا السؤال؟
هذا السؤال لا يتعلق بإبستين بقدر ما يتعلق بنا نحن.
هل نملك شجاعة أن نرى الجريمة كفعل فردي دائماً؟
أم أننا — أحياناً — نسمح للاسم أن يغيّر الرواية؟
المجتمعات الديمقراطية تقاس بقوة مؤسساتها، نعم.
لكنها تقاس أيضاً بقدرتها على مقاومة التعميم.
لو كان إبستين مسلماً، كنت أتمنى أن يُعامل كما عومل:
مجرم فردي استغل نفوذه.
لا رمزاً لدين.
ولا ممثلاً لجماعة.
الجريمة لا دين لها.
لكن رد الفعل المجتمعي… أحياناً يكون له دين.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي لبريطانيا وأوروبا وأمريكا:
أن يبقى المعيار واحداً — مهما تغيّر الاسم