عرب لندن 

تشهد المملكة المتحدة تحولاً جذرياً في معركتها المستمرة ضد مرض السرطان، حيث كشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة "أبحاث السرطان في المملكة المتحدة" (CRUK) عن انخفاض معدل الوفيات الناجمة عن المرض بنسبة تقارب الثلث منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويعكس هذا التراجع، الذي بلغت نسبته 29% مقارنة بذروة الوفيات المسجلة في عام 1989، ثمار عقود من التقدم "الزلزالي" في استراتيجيات الوقاية، ودقة التشخيص، وابتكار علاجات أكثر فعالية وأقل سمية. وبحسب لغة الأرقام، فإن معدل الوفيات السنوي استقر عند 247 حالة لكل 100 ألف شخص، بعد أن كان يتجاوز 355 حالة في أواخر الثمانينيات.

ورغم هذا التفاؤل الرقمي، لا يزال السرطان يمثل التحدي الصحي الأكبر في بريطانيا، كونه المتسبب الأول في الوفاة بنسبة تصل إلى حالة واحدة من بين كل أربع وفيات. ويشير التقرير بوضوح إلى فجوة مقلقة في معدلات البقاء على قيد الحياة، حيث لا تزال المملكة المتحدة تتخلف عن ركب عدة دول أوروبية، بما في ذلك رومانيا وبولندا. 

ومع ذلك، فإن العقد الأخير وحده شهد تسارعاً في وتيرة الإنجاز، حيث انخفض معدل الوفيات بنسبة 11%، مدفوعاً بتراجع ملحوظ في وفيات أنواع محددة من السرطانات، مثل سرطان المعدة الذي انخفض بنسبة 34%، وسرطان الرئة بنسبة 22%، وسرطان المبيض بنسبة 19%. كما سجلت سرطانات الثدي والأمعاء وعنق الرحم والبروستاتا والدم انخفاضات متفاوتة تراوحت بين 6% و14%.

وحسب ما ذكرته صحييفة الغارديان “The Guardian” يرسم التقرير صورة متباينة عند النظر إلى أنواع أخرى من الأورام التي شهدت معدلات وفياتها ارتفاعاً خلال العقد الماضي؛ حيث قفزت وفيات سرطان المرارة بنسبة 29%، وسرطان العين بنسبة 26%، والكبد بنسبة 14%، والكلى بنسبة 5%.

ويعزو الخبراء هذا التباين إلى عوامل متعددة، مؤكدين أن النجاحات المحققة في أنواع معينة كانت نتيجة مباشرة لسياسات صحية صارمة مثل حظر التدخين، وإطلاق برامج الفحص الوطني الشامل، بالإضافة إلى التوسع في استخدام لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) الذي مُنح لحوالي 6.5 مليون شخص منذ عام 2008، مما أدى لخفض وفيات سرطان عنق الرحم بنسبة 75% منذ السبعينيات.

من جانبه، أكد الدكتور سام جودفري، رائد المشاركة العلمية في المؤسسة، أن هذه الأرقام تجسد عقوداً من الاختراقات العلمية، بدءاً من اللقاحات الوقائية وصولاً إلى العلاجات الموجهة التي منحت آلاف العائلات وقتاً إضافياً مع أحبائهم.

وحذر جودفري من مغبة التراخي، مشدداً على ضرورة قيام الحكومة بتسهيل إجراء التجارب السريرية وتوفير الدعم الكافي لطواقم الخدمة الصحية الوطنية (NHS). وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا تزال فيه تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" تلقي بظلالها على القطاع الطبي، حيث كشفت تقارير سابقة عن تعطل وصول أدوية منقذة للحياة وتوقف تجارب علاجية ثورية بسبب التعقيدات البيروقراطية والتكاليف الإضافية.

وفي مواجهة واقع ديموغرافي يتمثل في نمو السكان وشيخوختهم، حيث يتم تشخيص حالة سرطان جديدة كل 75 ثانية، تجد المنظومة الصحية نفسها أمام "حالة طوارئ وطنية".

فقد أظهرت البيانات أن ثلاثة أرباع صناديق المستشفيات التابعة للخدمة الصحية الوطنية تفشل في تلبية احتياجات المرضى، مع عدم تحقيق أهداف الأداء منذ عام 2015. 

واستجابة لهذه الأزمة، تعهدت الحكومة البريطانية مؤخراً بضخ ملياري جنيه إسترليني لإعادة هيكلة خدمات السرطان، مع تقديم وعود للملايين بالحصول على تشخيص وعلاج أسرع، وضمان تحقيق معايير وقت الانتظار الوطنية بحلول عام 2029.

 

التالي انخفاض الطلب على لحم الخنزير المقدد وسط مخاوف الإصابة بالسرطان