عرب لندن
انطلقت في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة تجارب سريرية موسعة لاختبار لقاح جديد مخصص للبشر ضد سلالة إنفلونزا الطيور (H5N1)، في خطوة استباقية تهدف إلى تعزيز الجاهزية العالمية لمواجهة التهديدات الفيروسية الناشئة.
وتأتي هذه الدراسة في وقت يحذر فيه الخبراء من أن التطور المستمر للفيروس وقدرته على الانتشار بين أنواع حيوانية متعددة تجعل من احتمالية انتقاله بين البشر "احتمالية حقيقية" تستوجب التأهب العلمي والعملي الفوري.
وتشمل المرحلة الثالثة من التجربة نحو 4000 مشارك في البلدين، منهم 3000 متطوع في المملكة المتحدة، نصفهم من كبار السن الذين تجاوزوا الخامسة والستين من عمرهم، حيث يتم توزيعهم على 26 موقعاً عبر إنجلترا واسكتلندا.
وتستمر الدراسة، التي يدعمها المعهد الوطني لأبحاث الصحة والرعاية (NIHR) برعاية شركة "موديرنا"، لمدة سبعة أشهر، يخضع خلالها المشاركون لبرنامج يتضمن تلقي جرعتين بفاصل زمني مدته ثلاثة أسابيع.
وتوجه القائمون على الدراسة دعوة خاصة لمربي الدواجن والأشخاص الأكثر عرضة للاحتكاك المباشر بالحيوانات للانضمام إلى التجربة، معتمدين في ذلك على أسلوب التوظيف المجتمعي لضمان شمولية المشاركة بدلاً من الاقتصار على المستشفيات.
ويعتمد اللقاح الجديد، الذي يحمل اسم (mRNA-1018)، على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) التي أثبتت كفاءتها في لقاحات "كوفيد-19"، حيث تعمل هذه التقنية على توجيه خلايا الجسم لإنتاج بروتينات فيروسية محددة تدرب الجهاز المناعي على التعرف على الفيروس ومكافحته.
وأوضحت الدكتورة هيوت هيروي، كبيرة مديري التطوير السريري في "موديرنا"، أن النتائج الأولية مبشرة للغاية، حيث أظهر اللقاح قبولاً جيداً مع آثار جانبية خفيفة إلى متوسطة، ونجح في تحفيز استجابة مناعية قوية ومستمرة في وقت مبكر يصل إلى سبعة أيام بعد الجرعة الأولى، وهي استجابة يعتمد عليها الباحثون كمؤشر على فعالية اللقاح.
وتأتي هذه الجهود في ظل قلق عالمي من سلالة (H5N1) التي سُجلت لها 116 إصابة بشرية مؤكدة منذ عام 2024، ترتبط جميعها تقريباً بالاتصال المباشر بحيوانات مصابة، بدءاً من ظهورها لأول مرة عام 1996 وصولاً إلى رصدها مؤخراً في أبقار الألبان بالولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة ريبيكا كلارك، المنسقة الوطنية للتجارب، أن هذه الدراسة تمثل محاولة استباقية لتشكيل درع حماية ضد سيناريو انتقال العدوى بين البشر، مشددة على ضرورة التعامل مع هذه الاحتمالية بجدية تامة نظراً للتطور المستمر في سلوك الفيروس.
وفي ختام المشهد العلمي، شدد الدكتور ريتشارد بيبودي، مدير قسم الأوبئة في وكالة الأمن الصحي البريطانية (UKHSA)، على أن جائحة الإنفلونزا تظل التهديد الوبائي الأكثر احتمالاً في المستقبل، مما يفرض حالة من اليقظة المستمرة.
وبالموازاة مع هذه التجارب، تسعى الحكومات لتعزيز ترسانتها الوقائية؛ حيث تعاقدت بريطانيا في أواخر 2024 على توريد أكثر من خمسة ملايين جرعة من لقاح إنفلونزا تقليدي. وتأتي لقاحات الـ mRNA لتمثل أداة إضافية حيوية، نظراً للمرونة العالية التي تتمتع بها في الإنتاج السريع والتعديل لتناسب السلالات الناشئة، وهو ما يعزز استراتيجيات الأمن الصحي في مواجهة الأزمات القادمة.