عرب لندن
لاتزال بريطانيا تعيش صدمة الثامن من مايو، والتي هزت أركان السياسة والسياسيين في المملكة المتحدة، وأعلنت نهاية عصر القطبية الحزبية.
وحيّر الانزياح الواضح للناخب البريطاني باتجاه اليمين المتطرف المراقبين، لكنه من جهة أخرى أضاء على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بريطانيا والتي ولدت فقدانا كاملا للثقة بالأحزاب الكبرى.
النتائج عكست كذلك جوهر الصراع القائم في بريطانيا، والذي يتمثل في صراع إيديولوجي واضح يمكن اختصاره بأنه صراع بين: التيار اليميني الشعبوي الذي يمثل حزب الإصلاح، وبين التيار اليساري واليساري التقدمي والذي تمثله أحزاب: الأحرار الديمقراطيين والخضر وإلى حد ما العمال.
وفيما يلي إطلالة سريعة على محاولات الصحف البريطانية
التايمز:
صحيفة التايمز رأت أن الأزمة الأعمق لا تتعلق فقط بالأحزاب أو القيادات، بل بتفكك البنية السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها الحياة الحزبية في بريطانيا ووراثة الأحزاب الصغرى للأحزاب الكبرى. وأشار التحليل إلى أن المجتمعات الصناعية القديمة التي كانت تشكل قاعدة صلبة لحزب العمال تتآكل تدريجيا، بينما تتغير خريطة الضواحي والمناطق الحضرية بشكل يجعل الولاءات الانتخابية أكثر سيولة وعدم استقرار.
الغارديان: انقلاب في المزاج السياسي للبريطانيين
في محاولة لتفسير الانقلاب السياسي في بريطانيا وانزياح البريطانيين نحو اليمين، أشارت بيبا كررير -المحررة السياسية للصحيفة الغاريان- وجيسيكا إلغوت- إلى أن هذه النتائج هي مؤشر على تحول عميق في المزاج السياسي البريطاني، خصوصا مع التراجع التاريخي لحزب العمال في ويلز، حيث خسر الحزب أحد أبرز معاقله السياسية بعد أكثر من قرن من الهيمنة، في وقت شهدت فيه لندن صعودا قويا لحزب الخضر الذي انتزع السيطرة على عدد من المجالس المحلية التي كانت تُعد حصونا تقليدية للعمال.
تزايد الاحتقان داخل حزب العمال
وأشار التقرير إلى أن هذه الهزائم أطلقت موجة غضب داخل الحزب الحاكم، حيث بدأ عدد متزايد من النواب والنقابيين يتحدثون علنا عن ضرورة رحيل ستارمر أو على الأقل تحديد موعد لخروجه، واعتبر منتقدوه أن الحزب بات مهددا بانهيار انتخابي أوسع إذا استمر المسار الحالي.
ورغم الضغوط، رفض رئيس الوزراء الحديث عن الاستقالة، مؤكدا أنه لن يترك الحزب يدخل في حالة فوضى داخلية، ولكنه اعترف بوجود حالة إحباط عامة لدى الناخبين، ووعد بتقديم رؤية جديدة وأكثر تفاؤلا لمستقبل البلاد في خطاب مرتقب خلال الأيام المقبلة.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة لا تقتصر على نتائج الانتخابات فقط، بل كشفت أيضا عن انقسام متزايد داخل حزب العمال بشأن اتجاهه السياسي، إذ يرى بعض النواب أن الحزب خسر أصواتا لصالح الخضر بسبب ابتعاده عن السياسات اليسارية والاجتماعية، في حين يرى آخرون أن المشكلة تتعلق بضعف القيادة وفشل الحكومة في إقناع الناخبين بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الاقتصاد والخدمات العامة.
إندبندنت: أزمة حزب العمال أعمق من شخص ستارمر
صحيفة “إندبندنت” المحسوبة على اليسار، ركزت من جهتها وفي تحليل إخباري بقلم ديفيد مادوكس، على الأزمة التي يعيشها حزب العمال بعد الانتخابات المحلية الأخيرة، وأكد التقرير أنها لم تعد تقتصر على تراجع شعبية رئيس الوزراء كير ستارمر، بل أصبحت أزمة قيادة شاملة تضرب الحزب بأكمله، بما في ذلك الشخصيات التي كانت تُطرح كبدائل محتملة لخلافته.
وأوضح التحليل أن الهزيمة الانتخابية الواسعة التي تعرض لها الحزب في مختلف أنحاء بريطانيا كشفت أن الناخبين لا يرفضون فقط “نهج ستارمر”، بل يرفضون أيضا معظم الوجوه البارزة داخل حزب العمال.
ويرى الكاتب أن حزب العمال يعيش مأزقا حقيقيا، لأن ستارمر لم يعد قادرا على إلهام الناخبين ولا استعادة الثقة الشعبية، كما أن الحزب لا يملك حتى الآن شخصية بديلة تمتلك الكاريزما أو النفوذ الكافي لتوحيد الحزب وقيادته نحو استعادة الزخم السياسي.
وأشار إلى أن أبرز المرشحين المحتملين لقيادة الحزب مستقبلا، مثل أنجيلا راينر وآندي بورنهام، تعرضوا بدورهم لانتكاسات سياسية محرجة في المناطق التي يفترض أنها تمثل قواعد نفوذهم التقليدية، إذ خسر الحزب مقاعد كثيرة لصالح حزب الإصلاح في شمال غرب إنجلترا، حيث يتمتع بورنهام بنفوذ واسع بصفته عمدة مانشستر الكبرى.