عرب لندن- بقلم المستشار القانوني علي القدومي

بداية الحكاية

في كل غرفة فندق يقيم فيها طالب لجوء، هناك قصة لا يعرفها أحد. هناك أمّ تحمل طفلاً رضيعًا لا يعرف سوى جدران بيضاء باردة، وهناك أبٌ كان معلّمًا أو طبيبًا في وطنه، أصبح اليوم عاجزًا عن منح أطفاله أبسط مقومات الحياة. خلف أبواب الفنادق التي خصصتها الحكومة، تختبئ آلاف الحكايات الإنسانية، حكايات الألم والخوف والانتظار الطويل.

الحكومة البريطانية أعلنت مؤخرًا أنها بصدد “إصلاح نظام استئناف اللجوء” في محاولة لتقليص أعداد اللاجئين الذين يمكثون في الفنادق. لكن السؤال العميق الذي يجب أن نطرحه: هل نحن أمام إصلاح حقيقي يُنقذ الناس من الانتظار؟ أم أننا أمام تسريع على حساب العدالة سيحوّل حياة هؤلاء إلى جحيم جديد؟

بين الأرقام والوجوه

عندما تتحدث الحكومة، تُسرد الأرقام:
    •    ملايين الجنيهات تُنفق يوميًا لإيواء اللاجئين في الفنادق.
    •    آلاف الملفات المتراكمة أمام المحاكم.
    •    ضغط متزايد على الميزانية العامة والخدمات المحلية.

لكن خلف هذه الأرقام وجوه حقيقية:
    •    طفل في العاشرة يسأل والدته: “متى سيكون لي بيت مثل أصدقائي؟”
    •    شابة نجت من التعذيب في بلدها، تخشى أن يُرفض طلبها فتُعاد إلى الجحيم.
    •    أسرة كاملة تقضي عيدها الثاني على التوالي بين جدران غرفة فندق بلا مطبخ ولا حديقة ولا استقرار.

الأرقام لا تبكي، لكن هؤلاء يبكون كل ليلة.

خطة الحكومة… أسئلة بلا أجوبة

الخطة الحكومية تعلن عن “تسريع الاستئناف” لتخفيف الضغط. ولكن:
    •    كيف نضمن أن السرعة لن تتحول إلى ظلم؟
    •    هل سيحصل طالب اللجوء على حقه في الدفاع عن قضيته كاملة؟
    •    هل سيُنظر في تفاصيل قصص الضحايا، أم أن الهدف فقط هو إغلاق الملفات بسرعة لترحيل أكبر عدد ممكن؟

منظمات حقوق الإنسان حذرت مرارًا من أن أي إصلاح لا يضع الإنسان في صدارة الاهتمام، سيتحوّل إلى عقاب جماعي بدل أن يكون حلًا عادلًا.

البُعد السياسي

لا يمكن تجاهل أن ملف الهجرة أصبح ورقة سياسية بامتياز. الحكومة تريد أن تظهر بمظهر “الحازم” أمام الناخبين، والمعارضة تراقب وتنتقد. لكن وسط هذا الصراع السياسي، من يدفع الثمن؟ ليس السياسيون ولا الناخبون، بل اللاجئون الذين حوصروا بين الأجندات الانتخابية والمزايدات الإعلامية.

الفنادق… بيوت مؤقتة أم سجون ناعمة؟

الفنادق التي خصصت لطالبي اللجوء لم تعد مجرد مكان إقامة مؤقت. بالنسبة لكثيرين، أصبحت سجونًا ناعمة:
    •    لا استقرار.
    •    لا حياة اجتماعية حقيقية.
    •    لا مستقبل واضح.

الأطفال لا يعرفون سوى طرقات الفنادق وغرفها الضيقة. الأمهات فقدن شعورهن بالخصوصية. الآباء يشعرون بالإهانة لعدم قدرتهم على إعالة أسرهم أو العمل بشكل قانوني.

الضمير الإنساني

القضية هنا ليست مجرد “توفير أموال دافعي الضرائب”. إنها قضية إنسانية بالدرجة الأولى. اللاجئ ليس متسولًا جاء يبحث عن صدقة، بل إنسان هرب من حرب أو اضطهاد، باع كل ما يملك ليصل إلى مكان آمن. بريطانيا، بتاريخها الطويل كملاذ للمظلومين، هل ستتنكر لهذا الإرث وتغلق قلبها أمام من يطلب النجدة؟

الخاتمة

قد يختلف الناس في السياسة، لكنهم يتفقون على أن الإنسانية لا تُجزأ. الإصلاح الحقيقي لنظام اللجوء لا يكون بالسرعة وحدها، ولا بالترحيل الجماعي، بل بالعدل والشفافية والرحمة.

اليوم، هناك آلاف الأطفال ينامون على وسادة الانتظار، وأمهات يبكين خوفًا من الغد.
الإصلاح الذي لا يُنقذ هؤلاء من الألم ليس إصلاحًا، بل حكمًا بالإعدام على الأمل.

ويبقى السؤال الذي يجب أن نكرره بصوت عالٍ:
هل سنسمح أن تتحول هذه الإصلاحات إلى مقصلة جديدة، أم سنقف مع الإنسان قبل أي حسابات سياسية؟
 

السابق خواطر مسافر .. بلد بلفور أقرب إلى غزّة من بلاد العرب؟!!
التالي عشر سنوات للجنسية… هل يدفع المهاجرون ثمن السياسات الجديدة؟