محمد أمين - صحافي فلسطيني مقيم في بريطانيا
عدت للتو إلى بريطانيا، لا أعلم لماذ بت كلما أعود لهذه البلاد بعد طول سفر، أشعر بأنني عدت إلى بلدي رغم أني كنت في بلد عربي!!
رغم أن بريطانيا هي بلد بلفور ووعده اللعين، وهي سبب نكبتنا إلا أني بت أشعر أنني في غربة خارجها؟!
هل هذا الشعور جراء تردي الأحوال في دولنا العربية أم بسبب طول مكوثي في الغرب؟ أم كلاهما؟!!
كيف باتت هذه البلاد أقرب لنا من بلادنا العربية؟
وكيف باتت أقرب لغزة بمظاهراتها وصخب شوارعها المكتظة ب "الإنجلوساكسون " و "الروم" المنتفضين ضد حرب الإبادة، بمقابل شوارع عربية نائمة وهائمة بين غبار الأراجيل الذي بالكاد ينقشع وبين لهيب أسياخ الشاورما وطوابير انتظارها!!! وسواد أعظم مسحوق جراء استبداد أهلك الحرث والنسل.
كان العرب سابقا ينظمون شعرا عن "غبار المعارك"، اليوم ماذا عساهم يكتبون عن "غبار الأراجيل": مزاياها وفاخرها، سلومها وزغلولها؟!
ولقد لبى المعتصم نداء تلك السيدة التي أطلقت صرختها "وامعتصماه".. لكن مع مقتلة إسرائيل يتواصل غبار النراجيل، ويعلق جنرالات العرب النياشين دون أن يشرحوا لشعوبهم كيف تحصلوا عليها؟! وعلى أي أساس استحقوها!!؟
ومع انقلاب المعاني وعجز المعاجم تثور أسئلة كبرى عن مفاهيم أساسية:
فماهو مفهوم البطولة والخيانة، وكيف يكون المتخاذلون أصحاب سيادة أو فخامة!! وما فائدة تلك الجيوش المجيشة وهي تكتفي بمراقبة مقتلة على حدودها لإخوة لها يقول لهم قاتلهم أنه قادم لهم بعد الإنتهاء من إبادة اخوتهم وسيقيم مملكته المتخيلة الكبرى على أراضيهم!!… ويستمر الصمت ويستمر نفث النراجيل!!
ماهو فعلا مفهوم الكفر والإيمان؟ وكيف يصمت "عربي مؤمن"على إبادة أخيه "العربي المؤمن"؟!!
لم أعد مؤمنا مطلقا بكل تلك التصنيفات، لقد كشفت غزة زيفها، فلا من كانوا يوصفون بالمؤمنين هم بالضرورة مؤمنون، ولا من يوصفون بالكفار كفار، غزة أضحت الدين والإختبار .. هي المعيار!!
أنا شرقي عربي تقليدي حتى النخاع الشوكي،لكن كما قال المثل الشعبي "شو اللي رماك على المر غير اللي أمر منه "!!!
أكره الغرب الرسمي، وأعرف إيغال حكوماته في دمائنا قبل نكبتنا في فلسطين وبعدها،وبعد مقتلة بغداد وحتى دمشق والخرطوم وصولا لصنعاء وبيروت، لكني شاهد كذلك على تضامن قطاع عريض من شعوبه معنا في الميادين وبالملايين.
الشرق هو أصل كل شيىء جميل وعريق، أصل الأديان كلها، منبع الجلال والكرامة والأخلاق،وخليط الحضارات ،لكننا للأسف كنا "خير أمة" كما قال عز وجل عندما كنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونجاهد في سبيله، فالخيرية محصورة بهذه الصفات وليست مطلقة: "( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) أما اليوم فقد عم المنكر، ومن ينكره قليل ،وبأضعف الإيمان، وبات الجهاد الغالب في سبيل المال وحبه وهواه ، أو السلطان ورضاه!! .
ورغم كل ذلك أنا على يقين بأن هذه الأمة ستنهض من جديد، وستستعيد تاريخها المجيد، فكل ما يعتمل ويخزن حاليا من غضب في صدور وعقول الشعوب العربية جراء مذبحة غزة، وخيانة حكامهم الجلية في وضح النهار، سيفجر حتما غضبا، لهبا، لهيبا سيلفح وجوه ولحى كل من تآمر وخذل ، وهان أو خان أو أجاز الهوان ودافع عنه .
رفعت الأقلام، وجفت الصحف