محمد أمين - رئيس تحرير منصة “عرب لندن”

في زمن الإبادة، تهاوت كل المعايير الأخلاقية والإنسانية وقبلها القانونية، وبات العالم منفلت من كل الضوابط التي تعارف وتوافق عليها لعقود بعد الحرب العالمية الثانية، فمشهد القتل الوحشي والإبادة التي طاولت كل شيء وإطلاق يد إسرائيل والدفاع عن خرقها لكل شيء قد أسقط كل شيء، وبات العالم ومن شهد هذه المقتلة الكبرى بحاجة لمراجعة شاملة، من ضمنها مراجعة للمعايير الإعلامية والسياسات التحريرية التي لطالما اعتمدت في العالم العربي محددات وكالات دولية وقنوات عالمية باعتبارها: "المعايير الإعلامية الأكثر موضوعية ومهنية".

في زمن الإبادة سقطت كل تلك المعايير، فلا يمكن أن تعني المهنية الانحياز للقاتل ضد الضحية، ولا يمكن أن تعني كذلك تبرير أو ترويج رواية من يمارس الإبادة، لا تعني مطلقا المهنية أن يتم عمدا عدم الإشارة للفاعل في جريمة القتل ونسب الجريمة للمجهول " قُتل مئةُ فلسطيني" وليس "قَتلت إسرائيل مئةَ فلسطيني"، "قُصفت مستشفياتٌ " وليس  "قَصفت  إسرائيل مستشفياتٍ"، ومن قال إن المهنية تعني تكرار رواية وسردية جيش احتلال متورط في إبادة غير مسبوقة ورئيس حكومة مطلوب للجنائية الدولية!؟.

وعلى سبيل المثال لا الحصر في التدليل على سقوط كثير من الصحف والوكالات الدولية ما كشفته مراجعة داخلية أجراها صحفيون في وكالة "رويترز" Reuters" ، كشفت عن وجود ما وصفوه بـ"نمط ثابت من التغطية المنحازة" لصالح إسرائيل على حساب الرواية الفلسطينية، وسط جدل متصاعد بشأن سياسات التحرير في واحدة من أبرز وكالات الأنباء العالمية.

وبحسب ما نقله موقع ديكلاسيفايد البريطاني ” Declassified UK، حلّل موظفون في رويترز 499 تقريرًا حول حرب الإبادة بين 7 أكتوبر و14 نوفمبر 2023، وخلصوا إلى أن الوكالة خصصت موارد أكبر للأخبار التي تمس الإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين،وقال أحد الصحفيين المشاركين في التحقيق: "بعد أسابيع من هجوم 7 أكتوبر، أدرك كثير من زملائنا أن تغطيتنا تفتقر إلى الموضوعية."

وتجدد الجدل حول أداء الوكالة بعد اغتيال الصحفي الفلسطيني أنس الشريف بغارة إسرائيلية هذا الشهر، فقد عنونت الوكالة خبر مقتله بعبارة: "إسرائيل تقتل صحفي الجزيرة الذي تقول إنه كان قائدًا في حماس"، ما أثار موجة انتقادات حادة من الجمهور وبعض موظفيها جراء تكرار رواية وادعاءات إسرائيل الكاذبة.

هذا مثال طبعا وهناك أمثلة عديدة يصعب حصرها عن انحياز كبير للإعلام الغربي خاصة في بدايات الإبادة،  كذلك ركزت تلك الصحف والأقنية الدولية في تغطيتها لحرب الإبادة على " أنسنة" المواطن الإسرائيلي، وتجريد الفلسطيني من إنسانيته، أو على الأقل تجنب " أنسنته " أي تجنب إظهار قصصه كإنسان له عائلة وأحلام وأطفال وعواطف.. الخ، والاكتفاء بذكره كرقم حتى دون ذكر اسمه، مع إصرار في الإعلام الغربي على ربط كل المقتلة التي ترتكب في غزة بالسابع من أكتوبر، وكأن من حق إسرائيل قتل مليوني انسان وتدمير أمة بأكملها كرد فعل طبيعي على ما حصل.

وقد ظل الإعلام الغربي يتجنب الإشارة لأصل المشكلة وهي الاحتلال، واستمر في نفي حق المُحتل في مقاومة محتله، مع إصرار على سياق يظهر وكأن الصراع كله قد بدأ في السابع من أكتوبر وليس في ال 15 مايو عام 1948 عند قيام دولة استعمار استيطاني على أنقاض شعب بأكمله وطرده واستعمال التطهير العرقي منذ ذلك الوقت سبيلا لإبادته كما يقول البروفيسور  " إيلان بابيه" في كتابه الشهير التطهير العرقي في فلسطين، وبالمناسبة بابيه يهودي حتى لا يزاود أحد عليه. 

وعليه أنتهي لجملة من المقترحات وأناشد الزملاء الإعلاميين العرب أن يعيدوا النظر في كثير من المصطلحات الإعلامية المعتمدة في صياغاتهم للأخبار والتقارير والمقالات خلال حرب الإبادة، والضغط لتغيير المحددات والدليل الإعلامي لمؤسساتهم والذي في الغالب أنه مستوحى من  الوكالات الدولية أو القنوات العالمية والتي ثبت انحيازها وعدم مهنيتها، وتورطها في الترويج والتبرير للإبادة، ومن هذه المقترحات: 

 أولا: يجب استحضار دوما صفقة "المطلوب للجنائية الدولية" عند ذكر اسم مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ، وطبعا وصفه ب "رئيس حكومة الاحتلال" وليس "رئيس الوزراء الإسرائيلي. 

ثانيا: دوما ينبغي وصف ما يجري في غزة بالإبادة وليس حربا ولا عمليات عسكرية، فلا يوجد جيشان، إنما جيش واحد مدجج بالسلاح بمواجهة مدنيين عزل محاصرين. 

ثالثا: المقاومة الفلسطينية في الإشارة لأي فعل مقاوم للاحتلال. 

رابعا: إدخال مصطلح : "مجرم الحرب" دوما عند كتابة قصة فيها ذكر لنتنياهو أو أحد مجرمي حكومته.، 

 خامسا: المجوعون وليس الجوعى: فالتجويع يشير إلى أن الجوع يتم بفعل فاعل وليس جراء كارثة طبيعية، وهو في هذه الحالة بفعل الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة والحصار والتدمير. 

سادسا: العودة لاستعمال مصطلح : الكيان: فهذه ليست دولة إنما كيان مصطنع يهدد المنطقة.

 سابعا: فعل المقاومة جائز وفق كل القوانين الدولية ، فيجب أن يتحرر الصحافي من خوف غير مبرر جراء سنوات من محاولة الإعلام الغربي تشويه صورة المقاومة والتصدي للاحتلال ووسمها بالإرهاب. 

ثامنا: إياك والتورط في رواية الإعلام العربي المطبع أو الدولي المهيمن عليه من اللوبي بتحميل مسؤولية الإبادة للضحية، المسؤول عن الإبادة والقتل هو الاحتلال الإسرائيلي وحليفته وشريكته الولايات المتحدة أولا والدول العربية الصامتة والمتواطئ بعضها ثانيا، والمجتمع الدولي بكل أطيافه الذي سمح بهذه المقتلة على مدار عامين وانتهاك كل القوانين الدولية والإنسانية. 

تاسعا: فلسطين محتلة منذ 1948 والمقتلة هناك متواصلة منذ أكثر من 77 عاما وليست منذ السابع من أكتوبر. 

عاشرا: غزة لا تشكل سوى واحد إلى واحد ونصف بالمئة من مساحة فلسطين التي تحتلها إسرائيل، ويلاحق المحتل الذي سرق 99% من أرض فلسطين مليوني فلسطيني يعيشون على 1% من أرض فلسطين التاريخيةمحاصرون منذ 18 عاما.

وأخيرا وليس آخرا: كل من يقتل في مواجهة هذا المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الفاشي النازي الجديد هو شهيد، شاء من شاء وأبى من أبى.

 

 

السابق احذر… عين الضرائب تراقبك عبر السوشيال ميديا!
التالي خواطر مسافر .. بلد بلفور أقرب إلى غزّة من بلاد العرب؟!!